تمثل مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون السلطات العراقية أول من أمس ببذل مساعٍ جادة لتحقيق مصالحة سياسية في البلاد، الأحدث في هذا الاتجاه للحفاظ على المنجزات الأمنية النسبية التي تحققت على الأرض.

والشاهد أن مناشدات عديدة مماثلة سبق أن أطلقها الحادبون على مصلحة العراق إلا أنها لم تجد آذاناً صاغية بسبب تعقيدات الموقف الداخلي من جهة، والتدخلات المباشرة وغير المباشرة من بعض الأطراف التي لا تريد خيراً بالعراق من جهة أخرى.

صحيح أن العراق يتمتع الآن بقدر معقول من الاستقرار بالمقارنة مع الفصول الدامية التي ظلت تتسيد الموقف على امتداد أكثر من ثلاث سنوات، ولكن بالمقابل يبقى ما تحقق هو "هدنة هشة" قابلة للانهيار في أي لحظة إذا لم يتراض العراقيون على برنامج وطني حقيقي يضمن لكافة ألوان الطيف السياسي مشاركة عادلة في السلطة والثروة، وفي الوقت نفسه فإن عامل الزمن ليس في صالح البلاد لأن التسويف وتضييع الوقت والخوض في التفاصيل سينسف دون شك كل ما تحقق.

لقد عانى الشعب العراقي طويلا ودفع ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه ومن دمائهم منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ولم يقتصر الأمر على مئات الآلاف من الضحايا الذين قضوا في موجات العنف، وإنما طال الدمار والخراب بنية العراق الإنسانية والمادية والحضارية، بل وحتى البيئية.

إن متطلبات تحقيق مصالحة عراقية فعلية تستلزم في الأساس إدارة سياسية حقيقية تعلي من شأن المصالح العليا للوطن وتضع المصالح العشائرية جانبا.

وهذا بدوره يستلزم من الأطراف الممسكة بزمام السلطة التصالح مع الذات وتناسي مرارات الماضي، ومن ثم السعي بقوة لرتق النسيج العراقي، كما أن المطلوب أيضاً من النظام تفكيك الميليشيات وجمع السلاح حتى من المجاميع المسلحة غير الرسمية والمنسوبة للحكومة.

كذلك يجب تشجيع ثقافة السلام والوحدة والتعايش السلمي لأن الوطن يتسع للجميع، وهذا يقتضي عدم إقصاء أي طرف حتى لو كان محسوبا على نظام البعث السابق.

وخلاصة القول أن أمام العراقيين فرصة ذهبية للعبور ببلادهم إلى شاطئ الأمان إذا ما أخلصوا النوايا، ومن دون ذلك فإن ما تحقق سيذهب أدراج الرياح وستعود الأمور إلى المربع الأول، مربع الموت والدمار.