ما جرى ويجري في قطاع غزة يعد كارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ويطلق صرخة مفزعة لدى ضمير المجتمع الدولي الذي تتشدق قواه بدفاعها عن حرية الإنسان وحماية حقوقه وتتباهى بنصاعة سجلها في هذا المجال.
كما تزعم، وتنم عمليات الحصار والاغتيال والتجويع وقطع إمدادات الكهرباء والغذاء والدواء التي لم توفر المستشفيات بما فيها من مرضى منهم من هو على فراش الموت ، عن مدى الوحشية والبربرية التي وصل إليها الكيان الإسرائيلي، وتعتبر مثالاً صارخًا على انتهاك حقوق الإنسان.
واختبارًا حقيقيًّا للأسرة الدولية في الأخذ بمسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية، والعمل على إدانة هذه البربرية بأشد العبارات ووصمها بأبشع الصفات، واعتبار أي محاولة لتسويق المبررات للعنجهية الإسرائيلية وصلفها وعنفها هو من قبيل التساوق مع الاحتلال وتلميعه والارتماء في عباءته.
ويبين بما لا يدع مجالاً للشك في أن كيف يتم توظيف روحانيات الحرية وتصوف التحرير الذي طالما نادى بها من ينصبون أنفسهم حماة لحقوق الإنسان وخدمًا من أجل بسطها على كامل زوايا الأرض الأربع ، في اغتيال أماني الشعوب وأحلامها بالعيش في أجواء الاستقرار والأمان والتحرير.
ولا ريب أن إسرائيل تريد من هذا التصعيد وممارسة العقاب الجماعي على الشعب الفلسطيني في غزة الوصول إلى أمور؛ من بينها تأكيد عدم رغبتها في الدخول في ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي ، فهي كعادتها دائمًا ما تدأب على النكوص والتملص من أي استحقاق سياسي تحين لحظته، بتكثيف عنفها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وطبعًا لا تعدم في اختلاق الذرائع والحجج الواهية.
كما أنه وفي ذات الوقت يسعى قادتها من هذا الهروب إلى جني مكاسب انتخابية بإظهار أنفسهم وتسويقها على أنهم قادة حريصون على الحفاظ على أرض الميعاد ـ كما يسمونها ـ وتوسيعها، أضف إلى ذلك محاولة السعي إلى إطلاق بالونات لاختبار ردة فعل الموقف العربي.
وخاصة الذين هم على تماس معها ومن بينهم مصر، وسط دوامة من الضغوط التي لا تنفك تمارسها عليهم إسرائيل يوميًّا. ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد ظهر هذا الموقف جليًّا في استجابته لنداءات الاستغاثة وهبته لنجدة إخوانهم في غزة وانتشالهم من جرائم القهر والظلم والقمع.
حيث بدأت إمدادات الكهرباء والدواء تعود تدريجيًّا وإن كان هناك نية إسرائيلية مبيتة لدى المسؤولين الإسرائيليين لمواصلة هذه الجرائم، وإنما موافقتهم على تخفيف الحصار جاءت لرفع الحرج الدولي، كما يدعون.
إن الموقف العربي والرسمي تحديدا لا يزال لديه القوة والحيوية على مجابهة النوايا الإسرائيلية كما أثبت من قبل، وذلك بالرفض للانسياق وراء التوجهات الأميركية بتشكيل جبهة لاحتواء إيران، وإنما ينقصه فقط محاولة كسر الحاجز النفسي الذي راكمته الظروف والتطورات الدولية والإقليمية والذي يحول دون إظهار ما تسره طواياهم بشكل علني وبكل جرأة.
إن ما حدث ويحدث في غزة برهن على أن السلطة الفلسطينية رغم ما حصل بينها وبين أهلها في غزة من خلاف يبقى لا قيمة له، وأن المصلحة الوطنية تسمو على كل خلاف.
وبالتالي يمثل هذا التصعيد فرصة حقيقية لعودة المياه إلى مجاريها ولمِّ الشمل وتجاوز خلافات الماضي التي أثبتت أنها لا تخدم إلا المحتل الذي يتربص بهم الدوائر، وأن أي مشروع تحرري لا يمكن أن يتأتى إلا بالعمل الجماعي المخلص.
فهل تكون " الضارة نافعة " هذه المرة وتعود مياه الوحدة الوطنية الفلسطينية والنضال الفلسطيني تسير في مجاريها الطبيعية؟!
