«غزة تغرق في الظلام»، «غزة تستغيث» أو «غزة بلا دواء ولا غذاء».. عناوين من بين أخرى تصدرت نشرات الأخبار والصفحات الأولى في الصحف الصادرة خلال اليومين الماضيين. لكن المأساة أكبر وأعمق من أن تختزل في مانشيتات أو عناوين أخرى أيا كان نوعها.
والمأساة لا تقتصر على المليون ونصف المليون من سكان غزة الذين تجاوزوا الأربعين سنة تحت الاحتلال، ويعيشون وراء أسوار حصار محكم ومتعدد الأطراف منذ ثمانية أشهر، بلغ ذروته بقطع الكهرباء والمياه وكل أسباب الحياة، وسط استمرار القتل المباشر بكل وسائل الحرب البرية والجوية.
بل المأساة الأم والأكبر، هي مأساة أمة بكاملها تعيش حصار المذلة والمهانة بكل أنواعها، بما في ذلك الحصار النفسي الذي باتت تستطعمه وتستلذ بمذاقه، وربما تتوق إليه لو قدر لها أو لبعض أهلها أن يمارس أي شكل من أشكال الرفض والمقاومة للظلم والعدوان، ولو برفع الصوت.. مجرد صوت!
فإغراق غزة وأهلها في ظلام القتل والدمار لم يأت مفاجأة، والحصار ليس وليد يوم أو يومين، فماذا فعلت الأمة كلها؟ وماذا فعل قادتها ونخبها، كل نخبها السياسية والاقتصادية والثقافية، لصد العدوان أو إنهاء الحصار؟
بل ماذا فعلوا بعد أن بلغ التقتيل ذروته وأكملت الإبادة الجماعية دورتها بقطع المياه وتعطيل المستشفيات وإغلاق الطرق أمام الحد الأدنى من وسائل الإعاشة والتموين؟! ما الذي فعله هؤلاء الأشداء على بعضهم الرحماء بأعدائهم، على عكس ما تقول الآية الكريمة ويأمر رب العالمين؟
لا شيء فعليا يمكن تلمسه أو مشاهدته، ولو بعيني زرقاء اليمامة أو حتى بأحدث الميكروسكوبات الضوئية، سوى مزيد من الارتماء في أحضان المعتدين، والتوسل إليهم بل وتسوّل رضاهم. أما الكلام الممجوج والبيانات المكررة والمملة، فلا تغني من جوع ولا ترد أي عدوان أو أذى، ثم أين «المجتمع الدولي» وأين منظمات «حقوق الإنسان» الدولية؟
لقد دأبوا على صمِّ آذاننا وتصديع رؤوسنا كلما سقط قرد في أحد الأدغال الموحشة أو رميت حصاة احتجاج ضد ظلم أو طغيان، وهم المنشغلون دوما بنشر التقارير وبث البيانات المطولة حول الحريات وحقوق الإنسان، يستجوبون الدول ويشنون الحملات المنظمة ضد الدول والحكومات المستضعفة أو المستهدفة، إذا ذبحت دجاجة هنا أو ضرب حمار هناك، فأين هؤلاء ولماذا خرست حناجرهم واختفت أصواتهم؟ هل عَمِيت أبصارهم أم قُطّعت أيديهم وألسنتهم؟
لقد أقاموا الدنيا، وما زالوا يقيمونها، لشبهة انتهاك ضد حرية الرأي والتعبير، أو تنقيبا عن شبهة يضغطون بها على هذه الدولة أو تلك، فهل حق التعبير أهم من الحق في الحياة؟
لقد صدقنا أو حاولنا أن نصدق ما يقولون ويدعون، عسى أن نجد منهم عونا أو مساعدة في ما نواجهه ونعانيه من اعتداءات داخلية وعدوان خارجي، فلم نجد إلا ما يدعم القهر ويعزز العدوان ويشغلنا في متاهات وهوامش لا تصب في النهاية إلا لمصلحة الأكثر طغيانا والأشد عدوانا.
وبعد هذا كله يصفوننا بالتطرف والعنف والإرهاب، ويحدثوننا عن السلام.. فهل بعد غزة عنف أشد أو إرهاب أكثر فتكا وقسوة واستهتارا بكل القيم الأخلاقية والإنسانية؟
وهل هذا هو السلام الموعود والتعايش المنشود؟ وهل هذه هي حصيلة كل اللقاءات والمؤتمرات والمفاوضات وما عقد أو يعقد من اتفاقات ومعاهدات، طوال ثلاثين عاما من اللهاث وراء سراب مسموم؟
بئس الحصيلة وبئس ما فكرنا فيه أو توهمناه وسعينا إليه، بل بئساً لنا وبؤسا لأوهامنا إن كانت النتيجة قتلا بلا نهاية لكل ما ينبض بالحياة من نبات أو حيوان، أو حتى آمال وأحلام، فضلا عن تقتيل الأبرياء وكل ما يمت بصلة إلى الإنسان والإنسانية.
إنها بامتياز جريمة ضد الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته وبنفس المقدار أو أكثر هي جريمة إنسانية كاملة، كلنا شركاء فيها، من أقل فرد فينا إلى أعلى موقع قيادي وعلى مستوى العالم كله، لا يختلف الصامتون عنها والساكتون عليها عن مقترفيها ومن يتواطأ معهم أو يساندهم، أياً كان وحيثما كان.
لكنهم جميعا واهمون، إن كانوا يعتقدون أن كل هذا الفعل العدواني سيستطيع كسر إرادة شعب أو يوهن عزيمة أمة، فالبقاء حتما، ورغم حجم الجهد وفداحة المعاناة، سيكون للأصلح وستكون النتيجة أن لا يبقى في فلسطين، ولا في الأمة كلها، إلا الأصلح للفهم والمواجهة والأقدر على المقاومة ورد العدوان.