بالرغم من أن الإسلام هو الديانة الأكثر انتشارا في أميركا وأوروبا إلا أن المسلمين مقصرون كثيرا في الرد على الصور النمطية وعمليات التشويه والتضليل الموجهة ضد الدين الحنيف من جميع الأطراف والجهات. حيث أصبح الإسلام يُستعمل مرادفاً للإرهاب والجرائم والأعمال الوحشية والعنصرية والجهل والتخلف والتعصب.

في محاضرة عن الإسلام والإعلام دعا زكير نايك أستاذ الديانات المقارنة المسلمين للتعامل بصفة علمية ورشيدة مع وسائل الإعلام وطالب المسلمين في جميع أنحاء العالم استغلال واستعمال هذه الوسائل للرد على الحملات الدعائية الموجهة للتضليل والتشويه والنيل من الإسلام.

وأكد العالم الهندي على ضعف المسلمين في تسويق الصورة الحقيقية لدينهم وشرحه وتفسيره وتقديمه للآخرين بطريقة سلسة وواضحة ومفهومة.

كشفت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية عن الإرهاب الفكري الذي تمارسه الآلة الإعلامية الغربية على عقول الناس والبشر والرأي العام، حيث أصبحت كلمة الإسلام مقرونة بالإرهاب وأصبحت وسائل الإعلام تفبرك وتصنع صورا نمطية وأنظمة فكرية ومعتقدات تجعل من المسلم معادي للإنسانية وللبشرية وللأخلاق وللقيم السامية.

تعتبر وسائل الإعلام المحدد الرئيسي لرؤيتنا وتصورنا للآخرين وهذا وفق ما تقدمه لنا من صور وأفكار عنهم، وما يقال عن الأفراد يقال عن الدول والمجتمعات.

فما نشاهده في الأفلام وما نتصفحه في الجرائد والمجلات وما نشاهده في التلفزيون وما نسمعه في الراديو عن المجتمعات الأخرى وعن شعوبها يحدد إلى حد كبير موقفنا من هذه الثقافات ومن هذه الدول وشعوبها وهذا نظرا لاعتبارات عديدة من أهمها أن معظمنا يعتمد على وسائل الإعلام لتكوين مخزون معرفي معيّن وصور ذهنية وأفكار وإدراكات.

وهذه الصور والمنتجات الإعلامية المختلفة هي التي تحدد سلوكياتنا وتصرفاتنا تجاه الآخرين، إما بالقبول والاستلطاف والمعاملة الجيدة وإما الرفض والإقصاء والهروب والكراهية والرفض. وفي الكثير من الأحيان لا يستطيع الفرد أن يصمد أمام ما يُقدم له، بل يقف في غالب الأحيان مستسلما ولا يقاوم وإنما يتبنى ويتقبل خاصة إذا تعلق الأمر بالأشياء والقضايا التي تخرج عن اختصاصه ومعارفه.

تؤكد الدراسات وجود علاقة ارتباطيه إيجابية بين الصور الذهنية والنمطية حول الدول وتأثيراتها في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية فيما بينها. فهذه الصور تؤثر في الرأي العام الذي يؤثر بدوره في صنع السياسة الخارجية نحو هذا البلد أو ذاك.

وأغلب الظن فإن الدولة التي تصوّر بطريقة سلبية وتعرض بصور نمطية وأفكار مضللة متحيزة ستجني رأيا عاما سلبيا وبذلك ستكون في آخر قائمة الدول الصديقة والدول التي تتمتع بتبادل تجاري واقتصادي وثقافي معتبر، بل على العكس ستكون في أول قائمة الأعداء الذين تطبق عليهم سياسات التهميش والاحتواء والحصار بمختلف أنواعه وأشكاله.

هكذا كان الأمر بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي في عهد الحرب الباردة. الدراسات التي عالجت موضوع صورة الإسلام والعرب في وسائل الإعلام الغربية جاء معظمها على يد باحثين غربيين، وقلة قليلة من العرب فقط اهتمت بدراسة هذه الإشكالية. وفي معظمها أكدت الدراسات والأبحاث العلمية أن وسائل الإعلام الغربية وخاصة الأميركية منها من صحافة وإذاعة وتلفزيون وسينما وحتى الكتب الدراسية ترسم صورة مشوّهة وسلبية وغير صحيحة عن الإسلام.

وهذه الصور النمطية تكون في معظم الأحيان نتيجة لأفكار مسبقة ولحقد على الأمة العربية والإسلامية ولجهل وتجاهل تاريخ المسلمين وحضارتهم وثقافتهم وأخيرا نتيجة للصراع الحضاري بين الغرب والإسلام.

وسائل الإعلام مقيّدة بآليات سياسة الدولة حيث إنها، بطريقة أو بأخرى، تمثل هذه السياسة وتدافع عن النظام الذي تعمل في إطاره.

فالحركة الصهيونية، على سبيل المثال، وعبر تنظيماتها المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تسيطر على الصناعات الثقافية ووسائل الإعلام ودور النشر وتتحكم بذلك في محتواها وتحددها وفق ما يخدم مصالحها وأيديولوجيتها ، أهدافها، وهذا عملا بتوجيهات وتوصيات بروتوكولات حكماء صهيون. والأخطر من هذا أن رؤوس الأموال الصهيونية توّظف في المقام الأول في وسائل الإعلام والصناعات الثقافية وفي الوسائط التي تؤثر في الرأي العام وفي تفكير وإدراكات البشر.

فالنفوذ الصهيوني في وسائل الإعلام الغربية وُظف بطريقة منظمة ومنهجية من أجل تقديم صور ذهنية وصور نمطية عن الإسلام والعرب بما يخدم المصالح الصهيونية بالدرجة الأولى. وبطبيعة الحال ما يخدم المصلحة الصهيونية هو تشويه سمعة العرب وتقديم صور نمطية تجعل الرأي العام يتخذ موقفا معاديا وسلبيا ضد كل ما هو عربي ومسلم وهذا الرأي العام يسّهل مهمة المشرع وصاحب القرار في عملية اتخاذ إجراءات وقرارات تضر بالعرب وبالمسلمين وبمصالحهم وتساند وتساعد الكيان الصهيوني بدون نقاش ولا مساءلة.

الكلام عن مخرجات المؤسسات الإعلامية يقودنا للنظر في الضغوط التنظيمية وفي القوانين والأعراف والأحكام والقيم التي تدير العمل الصحافي. فالمؤسسة الإعلامية هي مؤسسة تجارية بالدرجة الأولى، لكنها تصنع الفكر والمخيلة الاجتماعية والذاكرة الجماعية وتحدد للمجتمع كيف ينظر للعالم وكيف يقّيم الأحداث ومجريات الأمور من حوله.

وسائل الإعلام تمثل وتعبر عن البنية الفوقية، التي هي عبارة عن جملة المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والأعراف ونمط الحياة والمخيلة الاجتماعية والموروث الثقافي. . . الخ، وهي في ذات الوقت تعمل على المحافظة عليها ونشرها وترسيخها في المجتمع.

والصحافي ما هو إلا نتاج المجتمع ونتاج هذه القيم والتقاليد وبذلك فإننا نجده من خلال الميكانيزمات التي تربطه بالمؤسسة الإعلامية يعمل على تثبيت وترسيخ شرعية النظام والقيم التي تحكم هذا النظام، وإذا خرج عن المنطق فإنه يهمش ويستبعد ويوصف بالخائن والمتمرد والخارج عن النظام، وللعلم قد تكون بعض هذه القيم أو المبادئ غير سليمة أو تتناقض مع القيم الإنسانية والأخلاقية.

وحسب بعض المختصين والباحثين فإن التشويه والتضليل والانحياز في تغطية الإسلام من قبل وسائل الإعلام الغربية يعود بالدرجة الأولى إلى الصراع الحضاري والثقافي بين الغرب والإسلام.

وقد ظهر هذا الصراع جليا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار القطبية الثنائية حيث ظهر النظام الدولي الجديد وتهميشه للثقافات والديانات المختلفة في العالم وخاصة الإسلام. وجاء مصطلح «الإسلاموفوبيا» للتعبير عن الهستيريا التي أصيب بها الغرب ضد الإسلام بعد انهيار الشيوعية، حيث أصبح هذا الأخير يتصدر قائمة أعداء أوروبا وأميركا.

وأكدت دراسات تحليل المضمون أن كتب التاريخ المدرسية وكتب الاجتماعيات في المدارس الابتدائية في بعض الدول الغربية وأميركا أسهمت هي بدورها في إيجاد فكر باطني معاد لكل ما هو إسلام وعرب، وكانت النتيجة أن الأميركي يتعرض منذ نعومة أظافره إلى جملة من الصور النمطية ومن الأفكار المضللة والمزيفة ضد كل ما هو عربي ومسلم.

وأصبح الإسلام مرادفا للتخلف وللإرهاب وللجهل وللأنانية ولحب النفس ولإلغاء الآخر وعدم احترامه وللغطرسة والتعصب.. الخ.

في ظل هذا التزييف والتشويه والتغطية السلبية للإسلام من قبل الإعلام الغربي نلاحظ أزمة في الإعلام العربي في عملية تسويق صورة إيجابية وصورة تصّحح هذا الخلل. فالإعلام العربي لم يحدد إستراتيجية يستطيع من خلالها تقويم هذا الخطأ وتقديم البديل أو البدائل للرأي العام الغربي والدولي.

فالصناعات الثقافية العربية مازالت ضعيفة جدا لم ترق إلى العالمية ولم تعرف كيف توّظف اللغات العالمية للوصول إلى الآخرين.

والإعلام العربي ما هو إلا انعكاس للأنظمة العربية التي تعاني من مشكلات وتناقضات هيكلية وتنظيمية وإدارية كبيرة جدا جعلت من المنظومة الإعلامية نفسها تتخبط في دوامة من المشاكل والضغوط قد لا تؤهلها للقيام بدور فعّال على الصعيد الدولي.

أضف إلى ذلك أن الأنظمة العربية ركّزت جهودها في استخدام الإعلام كوسيلة للسلطة وتثبيت الشرعية والتحكم والرقابة، ولم تول أي اهتمام للبعد الخارجي أو الدولي الذي من المفترض أن يكون من المهام الاستراتيجية للنظام الإعلامي في كل دولة عربية ومسلمة.

نخلص إلى القول إن معركة الصورة هي المعركة الحقيقية اليوم على المستوى الدولي وأن من يكسب معركة المعلومات وصناعة المعرفة وصناعة الحقيقة والرأي العام، من خلال الدور الاستراتيجي للإعلام، هو الذي يسيطر ويقود العالم في الاتجاه الذي يريده حيث إنه يحدد كيف يفكر الناس وبماذا يؤمنون وكيف يرون العالم وينظرون إليه ويفهمونه.

فوسائل الإعلام اليوم تحدد لنا في ماذا نفكر وكيف نفكر ومتى نفكر. ومع الأسف الشديد، محتوى وسائل الإعلام في العالم العربي والإسلامي اليوم مستورد بنسبة تفوق الثمانين بالمائة وهذا يعني أن الآخرين هم الذين يحددون لنا أنماط تفكيرنا وأسلوب حياتنا وغذائنا وملابسنا.

وبالمقابل نحن لا نقدم شيئا للآخرين ولا نجرؤ حتى على تفنيد أكاذيبهم وأساطيرهم. أما عن تقديم الصورة الحقيقية للإسلام والحضارة الإسلامية ومساهمتها في نشر العلوم والمعرفة فهذا موضوع آخر قد يتعذر الكلام فيه حسب منطق «فاقد الشيء لا يعطيه».

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة