اختتم الأسبوع الماضي الرئيس الأميركي بوش الابن جولته لعدد من الدول العربية، وهي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية والمنطقة أن يقوم رئيس لها بزيارة هذا الكم من الدول العربية. فهو قد زار ما يقارب من ست أو سبع من الدول العربية التي عرفت تاريخيا بعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويزور بوش المنطقة العربية وهي ولأول مرة في تاريخها تقف هذا الموقف المعادي من الولايات المتحدة الأميركية. ويزور بوش المنطقة والولايات المتحدة الأميركية قد تكون ارتكبت أكبر كم من «حماقاتها» تجاه المنطقة، بدءا بردات فعلها على من ارتكب حماقة أو كارثة الحادي عشر من سبتمبر وعلى من ليس له علاقة بها.
وامتد ذلك ليشمل الفلسطينيين وعرب الجزيرة ومصر والعراق، وانتهت أو هي في واقع أمرها لم تنه بعد، بحماقة احتلالها للعراق وارتكابها لأخطاء إستراتيجية أدخلت المنطقة في عمومها في حالة من الاضطراب لم «تخلص» منها بعد، حتى تلك الدول التي عرفت دائما بمواقفها الحليفة للولايات المتحدة الأميركية، باتت تتحرج من بعض إن لم يكن جل سياساتها في المنطقة.
جاء بوش للمنطقة وكُتب في وطنه قبل أن يكتب عن الزيارة وأهدافها المعلنة وغير المعلنة في مناطق الاستقبال العربية. فبعضهم، ذهب للقول إنها قد تكون زيارة وداع لحزب بات من المستحيل أن يأتي للحكم في جولة الرئاسة القادمة.
كما أنه أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية القلائل الذين جاءوا صدفة لسدة الرئاسة الأميركية ويخرج منها وهو في أدنى مستويات شعبيته، بل ويخرج منها والولايات المتحدة الأميركية في أدنى مستوى شعبيتها على مستوى العالم. وعرف الرئيس بوش الابن، وبخلاف والده، بتدني معرفته بالسياسة الخارجية وبالدول ورؤسائها، وما عرفه فقد جاء بعد دخوله البيت الأبيض وليس قبله.
وقد ساءت في عهده علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالدول العربية التي عرفت تقليديا بكونها من الدول الحليفة لها في المنطقة، كما هي قد ساءت بغيرها. وقد عزي لمواقف الإدارة الأميركية المتشددة، تدهور الحالة السياسية والأمنية العراقية والحرب الأهلية الطائفية فيها.
كما إليه يعزى إغلاق أبواب الحل أمام الفلسطينيين، وعجز اللبنانيون عن الوصول إلى حلول وسط لمشاكلهم السياسية وأخيرا توتير العلاقة مع إيران الطرف الآخر في الخليج الذي وصلت فيه العلاقة معها في أدنى مستوياتها ولم يبن الحزب الجمهوري الحاكم على ما أنجزه الحزب الديمقراطي السابق أبان حكم الرئيس كلينتون.
وتبدو المفارقة في أن الحزب الديمقراطي كان الحزب الذي قد تلقى «المهانة» من الإيرانيين قبل عقدين ونيف من الزمان عندما كان كارتر في الحكم ولم ينزع نحو تبني مواقف اقرب إلى «العدوانية» منها كما هو الحزب الجمهوري.
بل عن هذا الحزب ذاته لم يكن متبنيا لذات المواقف عندما كان بوش الأب في الرئاسة الأميركية. وكما يبدو عن شخصية رئيس الدولة ومعرفته وثقافته محددا رئيسيا في هذه المواقف التي رأيناها واضحة في حالة بوش الأب الجمهوري وبوش الابن ورونالد ريغان الجمهوريين. وهي بالطبع مختلفة في حالة معظم الرؤساء الديمقراطيين.
وقد رأى البعض الآخر في الزيارة أنها محاولة لاكتساب مزيد من العقود النفطية للشركات النفطية التي كان يتربع على إدارتها هو ونائبه ديك تشيني، قبل أن يأتيا للإدارة الأميركية.
إلا أن الشارع الأوسع من الكتاب والمحللين في المنطقة وخارجها لم ير فيها إلا تأكيد تحالف قد هوى ضد دولة التماس الإيرانية. بل تذهب إحدى الصحف الأميركية في القول إن الرئيس الأميركي قد جاء لتأكيد دعمه لتحالف الدول العربية السنية ضد دولة إيران الشيعية، ودفع عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية ولوقف الصعود الكبير في أسعار النفط وفي تأكيد ضرورة استمرار عمليات الإصلاح السياسي وبيع السلاح وهو كلام قد سمعنا مثله الكثير في أروقة صناعة الرأي ومما يسمى بالمختصين الشرق أوسطيين في الإدارة الأميركية وخارجها.
وبعضهم الآخر ذهب للقول بأبعد من ذلك «وهو أن الرئيس الأميركي قد جاء وفي جعبته حرب أخرى لعدو آخر جديد في المنطقة».
ويبقى السؤال هو سواء أكان ما قيل عن أهداف الزيارة ومراميها صحيحا أم لا، فإن العبرة تأتي في النتائج. فالصحيح أنه قد استقبل في المنطقة من رؤسائها ومسؤوليها بالترحاب وبالابتسامات، وودع كذلك كما استقبل إلا أنه لا يبدو قد حقق الأهداف المعلنة أو المستترة من الزيارة.
وأمام الترحيب الرسمي بهذه الزيارة فإننا قد شاهدنا كذلك مواقف رافضة لهذه الزيارة على المستوى الشعبي، تمثل في رسائل «رافضة» للمواقف الأميركية من القضايا العربية، وفي بعض من التظاهرات القليلة التي خرجت في المنطقة وفيما كتب في الجرائد وفي المنتديات والمواقع الإلكترونية والتي سطرت فيها، في بعض من دول المنطقة، كلام لم يكن بالإمكان قوله في العلن.
وفي حين جاءت تصريحات الرئيس الأميركية منددة بإيران واتهامها بكونها داعمة للإرهاب ومصدرة له، جاءت الرؤى الرسمية التي ترى فيها كما يقول وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل «جارة قد نختلف معها في الرؤى إلا أننا نسعى دائما لأن تكون علاقتنا بها يشوبها قدر كبير من التناسق والاتفاق».
فموقف دول الخليج الرافض لحرب جديدة على ضفافها كان مرفوضا قبل الزيارة وتأكد خلالها، ولا أعتقد أن دول المنطقة قد تقبل بأن ترتكب الولايات المتحدة الأميركية كارثة أخرى على ضفافها. فالمصاحبات السياسية والأمنية والاجتماعية التي جاءت بها عملية احتلال العراق كبيرة ومدمرة للنسيج السياسي ولاجتماعي للمنطقة العربية ولم نر بعد إلا اليسير منه.
وتبقى الولايات المتحدة مع ذلك هي ليست الحزب الجمهوري الحاكم وليست هي بوش رئيسها الحالي، وإنما تبقى رغم كل الانتقاد لسياستها دولة ذات إمكانيات وقوة مؤثرة عظيمة على السلم والحرب على حد سواء.
ونبقى نحن العرب والخليجيين بشكل عام رغم مصالحنا الاستراتيجية المشتركة عاجزين عن استثمار هذه القوة لمصالحنا ومصالح شعوبنا في حين بتنا نرى الآخرين قادرين على تعظيم هذه الفائدة لهم ولشعوبهم: في شرق آسيا وفي أميركا اللاتينية وفي إسرائيل، بل وقادرين على أن يعبروا عن اختلافهم معها في مواقفها وسياساتها في أقاليمهم وفي أقاليم العالم الأخرى، دون أن يعني ذلك خسارتهم لصديق أو حليف، فهل يا ترى نحن قادرون على فعل ذلك.
كاتب بحريني