لم تكل ولم تمل مراكز الدراسات والمعطيات الإسرائيلية طوال سنين مضت في الحديث المتكرر عن المخاوف التي تنتظر مصير الدولة العبرية الإسرائيلية داخل حدود مناطق (1948) نتيجة النمو الديمغرافي المتواصل لأبناء فلسطين الذين بقوا فوق أرض وطنهم بعد النكبة، مع تراجع الأغلبية اليهودية وتناقصها بالنسبة لارتفاع تعداد المواطنين الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية بين البحر والنهر بشكل عام وداخل حدود العام (1948) بشكل خاص.
ففي قسم التخطيط السياسي التابع لرئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، وهو القسم الذي كان في الماضي جزءاً من مجلس «الأمن القومي الإسرائيلي» أعدت نهاية العام المنصرم (2007) وثيقة جديدة ومثيرة.
تلقي أضواءً إضافية على الجدل والتوتر الذي رافق دعوات حكومة إيهود أولمرت قبيل أعمال مؤتمر أنابوليس للاعتراف والإقرار العربي والفلسطيني بما أسمته «يهودية الدولة»، فالوثيقة أعدت بناء على طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، على يد فريق متمرس بالبحث الديمغرافي استناداً إلى لغة الأرقام والإحصاء الرياضي والمعطيات والتوقعات المستندة إليها تحت عنوان «دولة إسرائيل ـ سياسات ديمغرافية قومية ـ تقييم الوضع وتوصيات أولية»؟
فالوثيقة تحدثت عما أسمته «المارد الديمغرافي» الفلسطيني الذي ينتظر إسرائيل خلال العقود الثلاثة القادمة، فقدمت عدداً غير قليل من النبوءات والتوقعات التي أسمتها بالتوقعات الصعبة للمستقبل المتوقع لإسرائيل.
حيث الافتراض السائد يقول ويدعي عتاة الصهاينة ودعاة التمييز العنصري في إسرائيل بأن (قنبلة ديمغرافية) تختبئ تحت عباءة ما تبقى من الفلسطينيين على أرض وطنهم بعد النكبة والذين كانوا ذات مرة (10%) فقط من سكان الدولة العبرية الصهيونية، لكنهم أمسوا الآن بحدود (22%) من التعداد العام للسكان، وهم يواصلون الاندفاع بالنمو العددي بسرعة إلى الأمام.
من جانب آخر، فإن الوثيقة تقول أيضاً، إن التعداد العام لليهود بالمقارنة مع غير اليهود في إسرائيل نهاية العام (2006) بلغت نحو (400 ,393 ,5) فرد أي ما نسبته (8 ,75%) من سكان إسرائيل مقابل (202 ,723 ,1) فرد من العرب، بالإضافة إلى نحو (900 ,309) فرد من اثنيات مختلفة جاءوا إلى فلسطين المحتلة في سياق الهجرة الاستيطانية الاستعمارية الصهيونية وفقاً للقانون الصهيوني الجائر والمسمى «قادمون من خلال قانون العودة اليهودي إلى أرض الميعاد».
وهم في غالبيتهم من مواطني دول الاتحاد السوفييتي السابق، وعل الغالب فهم ليسوا من اليهود، وقبلوا بالقدوم إلى فلسطين من أجل تحسين أوضاعهم الخاصة على ضوء رزم الإغراءات السخية التي تقدمها الوكالة اليهودية وإسرائيل للمستوطنين الجدد إلى فلسطين المحتلة.
وعليه ووفق الوثيقة المشار إليها أعلاه فإن ربع سكان الدولة العبرية الإسرائيلية ليسوا يهوداً، الشيء الذي اعتبرته الوثيقة «أمراً صعباً يحمل المخاطر الكبرى التي تهدد مستقبل إسرائيل».
وعليه، فإن مساعي الجهات الإسرائيلية المعنية بشؤون بناء المستعمرات وعمليات الاستيطان واستقدام اليهود من الخارج بدأت تصب باتجاه آخر عنوانه «تشجيع التهويد» لعدد كبير من سكان الدولة العبرية الين يعتقد بأنهم من حملة ديانات غير يهودية وصلوا إلى إسرائيل من روسيا وإثيوبيا على وجه الخصوص في سياق البحث عن فرص عمل أفضل وحياة أرغد.
فقد أمر أولمرت وفق ما نشر في الصحف الإسرائيلية مؤخراً بالعمل وفق الاتجاه المشار إليه، استناداً إلى استنتاجات لجنة خبراء خاصة انعقدت مؤخرا للبحث في «مشكلة التحول الديمغرافي» التي دعت إلى وإدخال وإعادة تنظيم منظومة «التهويد في سعي حثيث كي تصل أعداد من المهودين في غضون سنوات قليلة إلى ما لا يقل عن (300) ألف شخص».
فضلاً عن الجهود الإضافية التي بدأت باتخاذها ما يسمى بوزارة «الاستيعاب الإسرائيلية»، حيث قررت تشديد المساعي لإعادة إسرائيليين من أصل روسي عادوا إلى وطنهم الأم وعددهم بحدود (40) ألفاً كانوا غادروا مؤخراً فلسطين المحتلة إلى وطنهم الروسي.
كاتب فلسطيني ـ دمشق