لا تقف الدولة الاتحادية متفاخرة بسابقة أعمالها، بل تسعى دوما إلى إضافة المزيد، بل وتجاوز أفق النجاح المتحقق، بمشروعات ضخمة ليس على مستوى الدولة الاتحادية فقط، بل أيضاً على المستوى القومي العربي الإسلامي.

ولعل أكبر دليل على ذلك، هو المؤسسة الوليدة مؤخرا، أعني «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم»، فقد أعلن منذ شهور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن تأسيس صندوق لتشجيع ودعم التعليم والثقافة في الدول العربية، أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت في الأردن بحضور عدد كبير من قيادات العالم السياسية والاقتصادية.

وكشف صاحب السمو عن إنشاء «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم» والتي ستعنى بإطلاق جهود التنمية العربية الإقليمية، في مبادرة تعتبر الأكبر من نوعها على مستوى المنطقة.

وذلك بتقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة، والتركيز على العطاء للبحث العلمي والتعليم والثقافة، والاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة، والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة ومساعدتهم على مواكبة ركب التطور العالمي والمشاركة بشكل إيجابي في تحديد ملامح المستقبل.

وقد أعلن صاحب السمو عن تخصيص وقف يبلغ 37 مليار درهم (10مليارات دولار) لتمويل مشاريع المؤسسة التي ستتولى إطلاق مجموعة من المشروعات والمبادرات والبرامج المعنية بتطوير الرصيد المعرفي للمنطقة وإيجاد أجيال جديدة من القيادات الفكرية والعلمية تتمتع بالقدرة على دفع مسيرة التطوير بأسلوب علمي ومنهجي سليم يساهم في تأكيد فرص المنطقة ضمن عالم يموج بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويتضح لنا البعد الثقافي في العقلية الاستراتيجية لصاحب السمو من نص كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في البحر الميت الذي اشتمل على أقوال تكشف عن مفكر عربي مهموم بقضايا دبي والإمارات والعالم العربي والإسلامي.

فقد قال: «يسعدني أن أعلن اليوم عن مبادرة شخصية مني تستهدف الإسهام في بناء مجتمع المعرفة في منطقتنا، وذلك بتقديم الدعم للعقول والقدرات الشابة والتركيز على العطاء في البحث العلمي والتعليم والاستثمار في البنية التحتية للمعرفة والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة في التقدم والحياة الكريمة».

وأضاف صاحب السمو «ومن أجل تحقيق هذه الأهداف قررت إنشاء مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم لتعمل في مجال التنمية الإنسانية وقررت تخصيص وقف لتمويل مشاريعها بمبلغ عشرة مليارات دولار».

وأوضح صاحب السمو الذي كان يتحدث في ندوة عن «القيادة والتعليم في العالم العربي» على هامش المؤتمر، أن «هذه المؤسسة ستقوم بتصميم وإدارة برامج لبناء قاعدة معرفية بمستويات عالمية وسيكون من أولوياتها إنشاء صندوق للبحث والترجمة وتنزيل برامج لإعداد أجيال مؤهلة من القيادات في الحكومة وفي القطاع الخاص والمجتمع المدني».

وتابع أن «هذه المؤسسة ستوفر بعثات للدراسة العليا في أعرق المعاهد والجامعات ابتداء من العام المقبل كما ستقدم منحا للأبحاث ولإنشاء مراكز بحثية في جامعات المنطقة».

وأشار إلى أن «برامج المؤسسة ستهدف إلى إعادة الاعتبار للفكر والمفكرين عن طريق الدعم والنشر والجوائز والإعلام وتحفيز وتشجيع جهود إيجاد الحلول لتحديات التنمية الاقتصادية عن طريق تشجيع الإبداع والابتكار وبناء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوفير منصة لصناع القرار في كل القطاعات للتواصل والحوار وتبادل الخبرات لتشريع تحقيق الحكم الرشيد وتحفيز بناء الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص وتحفيز خلق وظائف جديدة».

واستشهد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بالمؤشرات الإحصائية التي تضمنتها تقارير التنمية الإنسانية العربية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير البنك الدولي خلال السنوات الماضية والتي قدرت أن المنطقة العربية تحتاج إلى 15 مليون فرصة عمل حاليا كما أنه مطالب بتوفير حوالي 80 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقدين القادمين، حيث ستعنى المؤسسة بالجوانب الاقتصادية أيضاً من خلال تشجيع إقامة المشاريع لخلق فرص عمل وتفعيل شبكات لقيادات الأعمال العربية علاوة على برامج إعداد القادة.

وأكد سموه أن عالمنا العربي زاخر بالإمكانيات والفرص، وليس بالنواقص والمشاكل والهزائم فقط... وتراثنا زاخر بعناصر التحفيز على العطاء والإبداع والابتكار. وأضاف: «لدينا الوعي والرؤية، ولدينا الإرادة، ولدينا إنجازات تنموية مهمة، توفر متطلبات الانطلاق للمستقبل، ولدينا مجتمع عربي شاب أكثر من نصفه تحت العشرين، وواجبنا أن نجعل منه رصيداً لنفسه ومجتمعه وأمته وعالمه».

وختم سموه قائلا: «أعرف مشاعر الإحباط الناجمة عن الإخفاقات السياسية والاقتصادية في عالمنا العربي، وأعرف حجم الاستهدافات التي تتعرّض لها منطقتنا، لكن هذه الاستهدافات يجب أن تكون حافزاً إضافياً للجد والاجتهاد والإبداع والإصرار على النجاح في التنمية وفي إدارة الأولويات ويجب أن نتحرر من الإحباط واليأس، وأن نتسلح بالتفاؤل والأمل».

وهكذا يتجلى أن صاحب السمو قد وضع خطة متكاملة الأركان للمؤسسة الجديدة ؛ فهي ستقوم بتصميم وإدارة برامج لبناء قاعدة معرفية بمستويات عالمية، وسيكون من أولوياتها إنشاء صندوق للبحث والترجمة، وتنفيذ برامج لإعداد أجيال مؤهلة من القيادات في الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وستوفر المؤسسة بعثات للدراسات العليا في أعرق المعاهد والجامعات بدءاً من العام المقبل. وستقدم بعثات للكتّاب ومنحاً للأبحاث ولإنشاء مراكز بحثية في جامعات المنطقة.

كما تعمل المؤسسة على بناء جسر فعال لعبور الفجوة المعرفية التي تعاني منها المنطقة اليوم، ووضع حلول عملية وموضوعية تساهم في التغلب على التحديات التي تواجه المنطقة على المديين القريب والبعيد. وستغطي مظلة المؤسسة كل المبدعين والمبتكرين والمثقفين في أرجاء المنطقة.

وسوف تضم المؤسسة العديد من المشروعات المهمة التي تخدم بناء القدرة المعرفية للإنسان العربي من خلال تأسيس مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب في جميع مجالات المعرفة الإنسانية مع الاهتمام بالعلوم التطبيقية لدورها في دعم مقومات التنمية المنشودة، إضافة إلى تأسيس صندوق خاص لدعم عمليات الترجمة يساهم في نقل المعارف والعلوم الحديثة إلى العالم العربي.

وتهدف المؤسسة إلى إقامة مجموعة من مراكز الأبحاث العربية وتحفيز الطاقات الإقليمية على الاهتمام بمجالات البحث والإبداع العلمي إضافة إلى الاهتمام بالجوانب الثقافية والتراث العربي والإسلامي الثري وعرضه بأسلوب حضاري يعرّف العالم بالحضارة العربية ومكنونها من الكنوز التاريخية.

وتسير المؤسسة على طريق توثيق علاقات التعاون والتواصل مع كافة المؤسسات والجهات المعنية بعمليات التنمية الإنسانية سواء على مستوى الحكومات أو المنظمات الإقليمية والدولية والجمعيات الأهلية من أجل الاستفادة من الإسهامات الفكرية لتلك الجهات وتعزيز قنوات تبادل الخبرات والأفكار بما يحقق أفضل النتائج وتأكيد المردود الإيجابي لكافة المبادرات التي ستتبناها المؤسسة من أجل توسيع دائرة الاستفادة على أكبر نطاق ممكن في المنطقة.

وقد بدأت مشروعات المؤسسة في التحقق، حيث عقدت في أكتوبر الماضي مؤتمرا ضخما حول اسم «مؤتمر المعرفة الأول» ناقشت فيه كل قضايا الأمة المعرفية، وسبل النهوض بها، على مستوى التعليم، والترجمة واللغات، والثقافة، والتنوع، والثورة الرقمية، والنشر، وتجسير الفجوة بين التعليم وسوق العمل. كما ناقش قضية التقدم في العالم العربي، والنهوض بالبحث العلمي، ونزيف الأدمغة والحلول العملية له.

ومن الضروري أن نؤكد أن هذا المؤتمر ليس مؤتمرا تقليديا يقف مع المؤتمرات المعتادة، بل انه مؤتمر تميز بالتفكير العملي القائم على الواقع، وقد قدم أفكارا قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، ولذلك لابد من معاودة الكتابة عن ما قدمه هذا المؤتمر، حتى لا تذهب أفكاره مع الرياح، فلابد من إعادة التذكير بها حتى يظل له تأثيره على الحياة الثقافية.

جامعة الإمارات

azak-doc@hotmail.com