الحديث عن قمة عربية عاجلة، للتداول في أوضاع الساحتين الفلسطينية واللبنانية؛ يشير بحد ذاته إلى حراجة ودقة وخطورة الموقف.

مجرد طرح هذا الخيار الآن وقبل شهرين فقط من موعد القمة السنوية العادية؛ يعني أن الأمور، لم تعد تحتمل الانتظار؛ حتى مثل هذه المدة القصيرة. فالتطورات تتسارع في هاتين الساحتين وبوتيرة، تنذر بالانزلاق في دائرة الخطر، غير المسبوق.

بل هي تبدو مندفعة بلا كوابح، في هذا الاتجاه. ولا يحتاج الأمر إلى قراءة معمقة، لرؤية المخاطر المحدقة، التي تهدد لبنان وغزة بل تهدد الوضع العربي برمته؛ بالمزيد من الانكشاف والإرباك. فإسرائيل تضرب حول القطاع حصاراً قاتلاً؛ وصل إلى قطع الوقود وبالتالي التيار الكهربائي؛ فضلاً عن منع حبة الدواء من الدخول إلى غزة. الكميات البسيطة التي سمحت سلطات الاحتلال بمرورها، تحت ضغوط التنديد الواسعة، مهددة بالتوقف في أي وقت.

الجامعة العربية أعلنت القطاع «منطقة منكوبة» وطلبت تدخل مجلس الأمن الدولي، فيما واصلت إسرائيل تهديداتها باستمرار العزل وشد الخناق على سكان غزة.

أما الوضع في لبنان فقد انزلق إلى المزيد من التوتر والتأزم، بعد مغادرة أمين عام الجامعة العربية لبيروت؛ من دون نتيجة؛ فيما خص تنفيذ الخطة العربية التي سبق وأقرها مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، ولم يقتصر التوتر على عودة التراشق العنيف بالاتهامات بين الخندقين؛ بل طرأ تصعيد، أو على الأقل بوادر تصعيد، تمثل في عمليات تجمع في بعض مناطق العاصمة، رافقها حرق دواليب وإضرام النار في سيارة قاضٍ، وكان سبق ان أشعلت النار أيضاً في سيارة أحد رجال الصحافة؛ بضواحي العاصمة.

ان تزامن ذلك مع الانسداد في أفق المبادرة العربية، وما رافق ذلك من جدل ساخن وحاد حول تفسيرها؛ يشي بأن حالة الاحتقان الداخلي تقترب من نقطة الانتقال بالساحة اللبنانية إلى تخوم جديدة، سريعة الالتهاب.

التحذيرات توالت، من دخول هذه الدائرة، التخوفات تتردد وتتوالى على لسان أكثر من جهة محلية وعاصمة عربية. وفي الأفق ترتسم علامات مقبضة؛ وسط سيناريوهات تتراوح بين التسبب بالمزيد من التعقيد ـ مثل التدويل ـ وبين توقف المحاولات والوساطات لحل الأزمة.

في ضوء هذا المشهد وتفاصيله، الفلسطينية واللبنانية المحبطة بل السوداوية؛ نزل خيار القمة الاستثنائية، إلى التداول ويبدو أنه مرشح ليلقى التجاوب؛ بحكم ضغط اللحظة وانعدام الخيارات الأخرى. لكن بقدر ما يبدو هذا الخيار ضاغطاً وربما قد لا يكون هناك مفر منه؛ بقدر ما هو محكوم بمبدأ «الفشل ممنوع». فالقمة آخر محطة وآخر ورقة من الصنف الثقيل. التحديات المطروحة، مصيرية ـ عربياً ـ إلى حد بعيد.

بقاء غزة في شدق الحصار الإسرائيلي القاتل؛ لا يحتمله الفلسطينيون ولا الوضع العربي. زحف الساحة اللبنانية باتجاه نقل الأزمة إلى الشارع، أو حتى تركها تتفاعل في ظل الفراغ والانسداد وحالة الانقسام العميق السائد؛ لا فكاك من وضعه في قائمة الممنوعات؛ لما قد يترتب على مثل هذا الانزلاق، لو حصل، من تداعيات مدمرة، وبذلك تكون هذه القمة، لو انعقدت، قمة المحظور ووقوعه في غزة ولبنان، وليس هناك خيار آخر.