عندما يشاهد الانسان العربي تلك الصور الفظيعة التي تسجّل جريمة الكيان الصهيوني في حق الاطفال والعزّل في فلسطين، لابد وأن يلقي بالنقد واللائمة على النظام الرسمي العربي بما فيه السلطة الفلسطينية.وعندما يشاهد الانسان عبر العالم، تلك الصّور الفظيعة، لابد وأن يتساءل: أين الرّدع. ولماذا تقع الجريمة ضد الانسانية في صمت مطبق؟

ومؤسسة النظام الرسمي العربي، وتحديدا الجامعة العربية، تمرّ بأكثر فتراتها ضعفا. اذ عوضأن تهتم بالموضوع الفلسطيني، الذي يسجّل مشهده ـ استفرادا اسرائيليا عسكريا لا مثيل له ـ بالناس العزّل في فلسطين، وتحديدا غزّة نجدها تتحول كمؤسسة للعمل العربي المشترك الى حمّال رسائل، بين مطالب القوى المهيمنة على المنطقة، والفرقاء في لبنان.

والحقيقة، ما يحصل في لبنان، ومهما كانت مظاهر خطورته حاضرة، فإنه لا يبلغ ما وصلت اليه الأمور في فلسطين.اليد الطولى للكيان الصهيوني امتدت قتلا وغدرا واعتداءات، عندما افرنقع العرب عن القضية المركزية، تحت تعلاّت واهية، سوف يحاسب عليها التاريخ كل من بلورها جزافا وصوّرها على ذلك النحو.

صوّرها المورّطون في جعل الضبابية وعدم وضوح الصورة في فلسطين، سمة من سمات المشهد ومن سمات الوضع... إذ بمجرّد حضورهم غير الفاعل، والباهت في «أنابوليس»، نزع العرب الرسميون، عنهم ثوب القضيّة، وتفصوا بقرار رسمي ـ من خلال حضور ومباركة الأمين العام لمجريات «أنابوليس « ـ من كل التزام تجاه اهل فلسطين. فكانت الطامة الكبرى،التي جعلت اسرائيل تقتل وتحصد الشهداء بدم بارد، والعرب والعالم يتفرّجون.

ما يحصل في فلسطين الآن، مسؤولية عربية رسمية، ومسؤولية السلطة الفلسطينية، إذ من خلال استعراض بسيط لأفعال الاستعمار في أي مكان، ليس هناك من المستعمرين (اسم مفعول) من سار في ركاب الاحتلال، ونال مبتغى وطنيا.ما حصل في غزّة ويحصل تباعا، من مجازر في وضح النهار، كان منتظرا والذي يظنّ غير ذلك، فهو مصاب بالقصور السياسي.

اسرائيل لا تذعن للسلام، الا متى قويت الوحدة العربية... وحدة فعلية في المواقف.لكن للأسف ما نشهده اليوم، على الساحة العربية هو تفريط في الحقوق وتلهّ بقضايا جانبية.لقد غابت الحكمة عن العرب، وهم يُساءلون اليوم من الرأي العام العالمي: أين العرب من كل ما يحصل للفلسطينيين؟الحقوق الوطنية، في كل أصقاع الدنيا، وفي كل مراحل التاريخ، هي حقوق تُفتكّ من مغتصبيها وليست منّة.

وهذه الحقوق المشروعة، مثلما يطالب بها الشعب الفلسطيني ويناضل من أجلها، تحتاج الى اطار ندّي بين الرازح تحت الاحتلال والمحتل. وفي مثال فلسطين، آثر النظام الرسمي العربي، أن يسلك مسلكا آخر، يتمثّل في اضعاف الطرف الفلسطيني أيّما اضعاف... بحيث أضحى الاحتلال الاسرائيلي يلوّح بالعصا الغليظة ويستعملها ويُسيل بها دماء الفلسطينيين، وهو يعلم جيّدا أن الرّدع غائب.واذا كان الردع العربي أو القوّة الموازية لاسرائيل غائبة، فما عسى ان يكون ردّ فعل الأمم المتحدة، الاطار الاشمل من الجامعة العربية؟

ما يقع في فلسطين، وما هي مقدمة عليه فلسطين والمنطقة برمّتها، هو مسحة عار على العرب، فـ «الفاعلون» في النظام الرسمي العربي، أو الذين يريدون أن يصوّروا أنفسهم كذلك، من خلال مناداتهم لاجتماعات عربية تحت عنوان: اتفق العرب، يعرفون جيدا أنه مازال بأيدي العرب خيارات في فلسطين، يمكن ان تكبح جماح الاحتلال الصهيوني وتصدّه عن فظاعاته الاستعمارية المشينة. كما أنه مازال بيد العرب ان يؤثّروا في المنظومة الاممية، بكل منتدياتها ومؤسساتها، إن هم راموا الدفاع عن مستقبلهم... فمستقبل العرب، كل العرب هو في فلسطين وليس في واشنطن.