كل شيء في غزة ينبئ عن أن الحياة، بكل معانيها، تتلاشى. فلا ماء ولا كهرباء، حتى إن الأغذية المخزنة معرضة لأن تصبح غير صالحة للاستعمال الآدمي.

لا يسمع في غزة إلا القليل من أصوات المولدات في بعض المستشفيات التي تعمل بما تبقى لديها من وقود، لا بد أن ينفد.

بعض الأصوات البشرية تتعالى عبر الفضائيات التي يتسنى لها العمل، وأيضاً بما تبقى لديها من وسائل بقاء، حتى إن المراسلين الصحفيين تخلفوا عن العمل واكتفوا بإرسال رسائلهم عبر المكالمات الهاتفية بدل أجهزة الكمبيوتر.

هذا هو الحال في غزة اليوم، وسيطول الأمر إلى أيام مقبلة. والوضع ليس ابن ساعته، بل إن ما اتخذ من تدابير إسرائيلية ضد القطاع قد مضى عليه أشهر .

خلال هذه الفترة لم يتحرك العرب بصورة جدية، وكأن في ذلك عقاباً لحركة حماس التي انقلبت على حركة فتح وطردتها من القطاع. فإذا بالعقاب يطال الشعب الفلسطيني في غزة من أبناء حماس وأبناء فتح وكافة المنظمات الفلسطينية.

والاعتقاد السائد أن قادة حماس لم يطلهم الحصار المظلم والظالم أمس، فهم يأخذون بعين الاعتبار ما سيقدم عليه الاحتلال، فجهزوا أنفسهم لمثل هذه الساعة.

لم تعد تكفي عبارات التنديد والإدانة لممارسات إسرائيل، وخاصة من الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية معها، فالأطفال حديثو الولادة في الحاضنات والمرضى الآخرون والشيوخ والنساء والأطفال الذين يعيشون على ضوء الشموع، ويتدفؤون على الحطب، لن تشعرهم مثل هذه الإدانات أنهم يعيشون كبقية البشر.

كما أن على الجامعة العربية التي اجتمعت أمس على مستوى المندوبين، أن تطور هذا الاجتماع إلى مستوى أعلى ربما يصل إلى عقد قمة طارئة لمعالجة هذا الأمر، وتعرية إسرائيل الرافضة، لأي حل بدءاً من المبادرة العربية وصولاً إلى خارطة الطريق ومقررات مؤتمر أنابوليس التي لم يجف حبرها بعد.

إن الرأي العام العالمي وخاصة مجلس الأمن الدولي مطالب أيضاً بتطبيق بنود المعاهدات الدولية التي تحرم مثل هذه الأعمال اللا إنسانية التي تقوم بها إسرائيل، وخاصة مدونة حقوق الإنسان، كما أن على مجلس الأمن أن يبادر على الفور إلى عقد جلسة طارئة لمعالجة الوضع في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية وإجبار إسرائيل على تنفيذ ما يتخذه من قرارات، طبعاً إذا مرت من دون فيتو أميركي.