انتهت السنة الفائتة ليس باغتيال بوتو في نهاية ديسمبر كحدث تراجيدي أفزع العالم وحسب، وإنما باندلاع لهيب بوادر حرب أهلية وتطهير عرقي، بعد أن أعلنت اللجنة المعنية بفرز انتخابات الرئاسة في نيروبي عن انتصار كيباكي الرئيس السابق ضد منافسه رالي اودينجا، فكانت النتيجة صدمة كبيرة لمرشح المعارضة وأنصاره، والذي كان حتى اللحظة الأخيرة من الفرز متقدما على كيباكي.

غير أن سرعان ما بدأ الفرز يتأرجح وينحى إلى صالح الرئيس كيباكي، فظهرت النتيجة تدريجيا بصورة معاكسة، جعلت المراقبين من الاتحاد الأوروبي والكومنولث يصابون بالريبة بقولهم، إن الانتخابات تشوبها عملية تزوير مقننة، وقد كانت بفارق 2000 صوت لكيباكي الذي حصل على 232000 صوت بينما حصل اودينجا على 230 ألف صوت.

هذه الصاعقة غيرت مسار الفرح والرقص لمناصري اودينجا في مناطق عديدة من البلاد إلى أن يثوروا بغضب لم تستطع أن تتحمله لا المعارضة ولا النظام السياسي وقوات الأمن، فتدافع أنصار اودينجا وبتحريض من القادة وأنصار المعارضة، إلى التعبير عن غضبهم بالعنف، وقد بدا العنف الطفيف من السهل احتوائه سلميا، ولكن كعادتها قوات الأمن التابعة للرئيس المنتصر في دورة رئاسته الثانية، قد تصرفت بطريقة بوليسية.

وبدلا من تطويق الأزمة ومعالجتها كان على البيروقراطية الأمنية التي تسيطر على كينيا منذ وقت طويل، وأجهزة بيروقراطية متنفذة تحيط بالرئيس، كجزء من بطانته المتهمة بالفساد، بأن تشعل الشارع لكي تجد تبريرا للانفلات الأمني فهذا يحقق لها المزيد من سطوة القوة وإبراز حضورها وهيبتها، فالتقى الغاضبون بنتائج الفرز مع الخائفين من شفافية قادمة.

فيما لو انتصر المعارض بالرئاسة فهو يمثل تيارا سياسيا مختلفا عن تيار الرئيس الليبرالي، إذ ينتمي اودينجا إلى النهج الاشتراكي، وان كان مؤخرا يعلن انه ينتمي للاشتراكية الديمقراطية، ولهذا كانت النرويج دائما حضنا له طوال مسيرته من المعارضة، والتقلبات ما بين فترة المنفى والسجن والسلطة، فقد التقى دائما اودينجا على طريق واحد ضمن سلطة سياسية واحدة، وفي مناصب وزارية مختلفة في زمن الرئيس ارب موي، الذي وجد في كيباكي خليفة له.

هذا الطموح الجموح والتطلعات الشغوفة للسلطة ظلت عميقة الجذور في عائلة اودينجا بخلاف كيباكي المنحدر من عائلة فلاحيه، غير انه مع الوقت، استطاع أن يتسلق لقمة السلطة عبر ذكائه الشخصي والوظيفي والسياسي، هذا التنافس والتنافر على مقعد السلطة مر عبر قنوات عدة في كينيا منذ استقلالها عام 1963، مثلما مرت التجربة الديمقراطية بتقلباتها وتكويناتها السياسية والاجتماعية، معتمدة على بنية قبلية في مجتمع لم يتحرر بعد من تشكيلة عرقية متعددة وثقافات عديدة، لعبت في مؤثراتها الانتخابية والإدارية.

فانتشر الفساد والتمييز الاثني داخل كينيا، في وقت حاول الساسة التحديث للدستور الكيني، لما بعد مرحلة الاستقلال، بدعوة الشعب إلى الاستفتاء عام 2005 على دستور معدل . وفي كل تجربة انتخابية يخسر اودينجا للوصول إلى سدة الرئاسة، غير انه يصل بكل سهولة إلى المجلس النيابي، خاصة وان المرشحين يعتمدون على مكونات عرقية وقبلية في تجميع الأصوات والدعم والتأييد، وان كانت برامج الانتخابات تدعو الناخبين بضرورة، التغيير.

وحان وقت التغيير، فهو الشعار الأكثر جاذبية للناس الأكثر سخطا من الأوضاع المزرية . لا احد يستطيع أن ينكر الأرقام الاقتصادية ومؤشراتها الناجحة لفترة حكم كيباكي، التي دفعت بالتنمية للقفز من اقل من 1% إلى تنمية اقتصادها إلى أن يبلغ معدله 8%، متخطيا كيباكي أهداف برنامجه الاقتصادي وتنمية البلاد.

إلى جانب برنامجه التعليمي الهام بضرورة نقل كينيا لمرحلة متطورة من التعليم، بحيث دعا إلى جعل التعليم مجانيا وإلزاميا لمراحل معينة، فنال إعجاب المنظمات الدولية واحترامها لبلد ينتمي للعالم النامي، غير أن شهوة السلطة والاحتماء ببطانة طفيلية جعلت منه حالة تقليدية للتعثر السياسي وتفشي ظاهرة الفساد في مثل هذه الدول، فبدت الحكومة الكينية والأثرياء المستثمرين يعبثون بالأوراق من خلف المكاتب ويقبضون العمولات.

إلى جانب إغلاق المنافذ أمام حكومات وبرامج تتميز بالمحاسبة والشفافية، كالتي يدعو لها اودينجا . وإذا ما كانت نتائج الفرز الرئاسية متقاربة، فان الأيام المريرة من الحرائق والقتل والصدامات العنيفة والاتهامات المتبادلة، بين الأمن والحكومة الرسمية من جهة والمعارضة من جهة أخرى، فقد برهنت عن أن خطابين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما، حتى وان أبدت المنظمات الإقليمية رغبتها في التدخل لحل النزاع والبحث عن مخارج للازمة، بهدف تجنيب البلاد كوارث إضافية.

بحيث لا يتحمل عبئها المواطنون الأبرياء الذين راحوا ضحية للصراع، إذ قتل ما يقرب 600 إنسان ونزح أكثر من ربع مليون مشرد من سكناهم، وباتوا تكلفة باهظة على ميزانية الأمم المتحدة ووكالات الغوث واللاجئين . هذا المشهد الصدامي اليومي يسعى المراقبون إلى تطويقه وحله من خلال الحوار السلمي .

وإذا ما كانت المعارضة تمتلك قوة سياسية في الشارع، برهنت عنفوانها هذه الفترة، مؤكدا اودينجا في احد المقابلات عندما سئل عن حالة العنف والدماء، فلم يجد إلا أن يقول، ، إن الحرية والديمقراطية تكلفتها كبيرة، ولن نتراجع عن تقديم كل ما يمكن تقديمه للدفاع عنهما. بهذا النفس المعاند ردد زعيم الحركة الديمقراطية البرتقالية إجابته، والتي كانت صدمتها كبيرة عندما انسحب عنها احد أطياف المعارضة، مما تسبب من خسارة 8% من الأصوات.

ومع ذلك لم يتوقف البرلمان الكيني عن عقد جلساته ودورته والتصويت على اختيار رئيس للبرلمان، والذي كان من نصيب المعارضة، إذ يملك اودينجا في البرلمان 99 مقعدا بينما حصل كيباكي على 43 مقعدا، وبهذا تصبح مهمات كيباكي دستوريا وتشريعيا صعبة في اتخاذ قرارات وزارية وحكومية، وبتشكيل أية حكومة منفردة إذ المطلوب دستوريا أن يكون الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية لديه الثلثان، وهذا ما يفتقده كيباكي المنتصر في الرئاسة والمتهم بتزويرها، وما عليه إلا الرجوع للمعارضة التي تمتلك الغالبية العظمى في البرلمان.

ولكي يتخطى كيباكي أزمته الحكومية فان طريق الائتلاف هو الحل الوحيد، في وضع عبر عن نفسه يوم افتتاح البرلمان، حيث رفض اودينجا مصافحة الرئيس، ودخلا الخصمين لقاعة ملتهبة بكل شيء، معارضة قوية في الشارع تهز نفوذ وسطوة الحكومة الجديدة، وقدرة شرعية داخل قبة لها حرمتها وحقها الدستوري في احترام المؤسسة الشعبية وممثليها الشرعيين، وبين صوتين وقوتين متنازعتين على قارب كينيا المضطرب، فان مناصفة السلطة تكون الأنسب لشخصيتين تتملكهما شهوة عالية من حلم السلطة، يكون فيها الشعب دائما ضحايا للشعارات البراقة، التي يرفعها الساسة في بداية مسيرتهم

كاتب بحريني