في ظل الوضع المتردي الذي وصلت إليه حال الأفرقاء اللبنانيين، يبدو أن أكثر ما هو بحاجة إليه الوطن في الوقت الحاضر هو فورة بركانية حقيقية يكون محورها ومحرّكها الأساسي الرأي العام الحقيقي، المفترض أنه الطرف الأكثر تأثراً بكافة تبعات وآثار الصراع القائم.
وعندما أتحدث عن الرأي العام لا أقصد المواطنين الممتلئين حتى الثمالة بأي فكر طائفي أو إيديولوجي ضيّق، بل الوطنيين الحقيقيين المنتمين فعلياً إلى لبنان بكل مكوّناته وتفاصيل تراثه، الرافضين بقوة أن يخضعوا إلى جزئيات المصالح الخارجية، إقليمية كانت أم دولية.
لقد تمادى المسؤولون اللبنانيون حقاً بالمغامرة بمصير وطنهم، فقادتهم روح المغامرة إلى حد المتاجرة باللعبة الديمقراطية التي كانت تعتبر فيما مضى إحدى المميزات الرئيسية للنظام اللبناني. فلم يخجلوا على سبيل المثال بإغلاق باب المجلس النيابي وتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما لا نهاية، ولم يخجلوا بالاعتراف علناً وسراً أن ذلك قد تم استناداً لشروط فرضتها معادلات إقليمية واضحة الأهداف والتوجه.
والأخطر من ذلك كله، أنهم لم يخجلوا من مواجهة الرأي العام بسيل من التصريحات المملّة التي كانت تسعى جاهدة لاستغباء المنطق وتالياً لتغطية فشلهم وتماديهم في طعن الوطن. كل ذلك كان ولا يزال يجري لسبب وحيد وهو أن الرأي العام في لبنان قد أصبح مهمّشاً وعديم التأثير. وقد أجد في نفسي جرأة أكبر لأقول ان الرأي العام في لبنان قد مات على ما يبدو، لأنه لم يعد يمارس دور الرقيب، ولم يعد المحرك الأساسي للّعبة السياسية، بل بات منقسماً على نفسه وهزيلاً جداً بسبب النكسات المتكررة التي تعرض لها الوطن من قبل من يفترض أن يكونوا في موقع الدفاع الأول عن مصالحه ومصالح هذا الشعب المقهور.
وإذا قلّلنا من نسبة التشاؤم وافترضنا أن الرأي العام اللبناني لم يمت، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أنه قد أصيب على الأرجح بالعدوى التي نقلها إليه قادته، وهي عدوى فريدة لا أتمنى أن تنتقل إلى أي شعب عربي (أو غير عربي) آخر، لأن من أبرز سماتها التفتت والتشرذم والأنانية في طرح القضايا المصيرية، ناهيك عن الاستعداد للتضحية بالكيان مقابل الفوز بمصالح ذاتية أو حزبية معيّنة.
ولا أقول ان هذه الصفات متوفرة لدى جميع القادة ومن يواليهم من الرأي العام، لكن تبيّن بأنها موجودة على الأقل لدى من هم قادرون على تعطيل الحياة الديمقراطية وإثارة قدر كبير من التشاؤم لإجبار الشباب على الهجرة من الوطن.
ويبدو لي أيضاً أن المواطن اللبناني قد أصيب بغشاوة أتمنى أن تكون مرحلية، حيث فقد القدرة على رؤية الأمور بوضوح ومسؤولية، وبات يستسهل عملية اقتناعه بالشعارات المطروحة من باب انتمائه لهذه الطائفة أو تلك أو هذه المجموعة أو تلك، لا انطلاقاً من واقعية انتماء تلك الشعارات إلى أهداف الكيان الوطني الحقيقي أو إذا كانت تخدم مصالح الوطن بكافة فئاته وتياراته.
وإذا وصل هذا المواطن إلى مرحلة حرجة من تأنيب الضمير، لا يفكّر بإيجاد الحلول الناجعة من خلال فرض التغيير في جوهر قيادته، بل يسعى للهجرة إلى أي بلد غربي ناقلاً إليه همومه ومشكلاته بل حتى تخلّفه الفكري «والانتمائي».
وأستغرب هنا أن حركة الهجرة لمعظم الشباب اللبناني بمن فيهم هؤلاء المنتمين إلى ما يصطلح على تسميته المعسكر المناهض للغرب، تتركز في حقيقة الأمر باتجاه الدول الأوروبية الغربية وأميركا، في حين لا نلمس من قبلهم نسبة جدية للهجرة باتجاه دول كانوا يدافعون عن إيديولوجياتها مثل إيران على سبيل المثال.
وإن كان هذا يدل على شيء، فإنه يدل في حده الأدنى على أن هؤلاء لم يرفعوا لواء النضال عن سابق اقتناع وتصميم، بل أن نضالهم كان على الأرجح بمثابة «موضة» تطلّب ارتداؤها توافقاً عاطفياً مع ظروف المرحلة القائمة ورغبات القائد الذين كانوا يؤمنون به في وطنهم الأم.
ما هو المطلوب إذن في خضم هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الوطن، وهل بقي هناك أي دور للرأي العام لكي يلعبه في ظل ما نشهده يومياً من تماد فاضح من قبل هذا الزعيم أو ذاك بادعاء تمثيله للمواطن؟
أعتقد شخصياً أن الرأي العام اللبناني مؤهل حالياً ليلعب الدور الأكبر والأهم، انطلاقاً من الواقع الدرامي القائم حالياً والذي يُلزمه بأن يكون موالياً للوطن دون غيره وأن يتبنى بالتالي الأجندة التي تعمل على تفضيل الخيار المنادي ببقائه، رافضاً بطبيعة الحال الأجندات الأخرى التي تتحدث بلسان المصالح الإقليمية، سورية كانت أم إيرانية، أو بلسان المصالح الدولية الأخرى.
وفي هذا السياق فإن المطلوب هو أن يرفع الصوت عالياً، في وجه قادته أولاً إظهاراً منه لحسن النية وصدق النوايا، وأن يذكّرهم بعدما كانوا قد نسوا تماماً، بأن الشعب وحده يصنع القادة، وأن الوطن هو للجميع بدون استثناء، وأن لا وطن في نهاية الأمر بدون رأي عام قوي قادر على محاسبة قادته عندما يحين وقت الحساب.
وفي الواقع، فإن المطلوب من الرأي العام خلال هذه المرحلة الحساسة هو أن يقف مجدداً ليذكّر الجميع بدوره الأساسي، وأن يشكّل الضامن الرئيسي لتطور المجتمع والوطن، فيصر على مبادئ الحرية والسيادة والاستقلال، وكافة الشعارات الأخرى التي تسعى لبناء وطن حقيقي بعيد كل البعد عن المصالح الشخصية والإقليمية.
مطلوب منه أن يسعى لترسيخ مبدأ الشراكة في الحكم لكن من خلال الممارسات الديمقراطية المتعارف عليها لا من خلال الممارسات الشمولية أو الدكتاتورية. وإن كان هناك حاجة لفرض التغيير فمن خلال النقاش داخل المؤسسات المعنية لا من خلال التحركات المتمادية بقطع أرزاق الناس.
ومطلوب منه أولاً وأخيراً أن يصر على قيام المحكمة الدولية لمعاقبة القتلة والمجرمين الذين عاثوا في الأرض إرهاباً وقتلاً وفساداً، وأن يصر بطبيعة الحال على نزاهتها وعدالتها لما سيكون لذلك من أهمية قصوى في ردع الحركة الإرهابية ولجم مشروع الاغتيال السياسي بغض النظر عمّن يتبناه.
المطلوب إذن فورة بركانية حقيقية، يكون محركها الشعب الواعي الذي يجب أن يصرخ بوجه المقامرين بمصير الوطن ويقول لهم كفاكم عناداً وتصلّفاً وقهراً، وكفاكم طعناً بهذا الوطن وشعبه. كفاكم ادّعاءً بتمثيل النسب الكبيرة أو الصغيرة، فالانتخابات النيابية قادمة لا محالة، وصندوق الاقتراع سيكون شاهداً، مرة أخرى، على كيفية توزيع تلك النسب.
كاتب لبناني
