لأنه لا وطن بلا هوية، ولا هوية بلا ثقافة، ولا ثقافة بلا لغة تمثل وعاء وروح وأداة هذه الثقافة في الحوار مع غيرها من الثقافات.. ولأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم تلك الرسالة السماوية الخالدة للعالمين.. فإن وطننا العربي الكبير يستمد هويته من ثقافته الثرية، وثقافتنا العربية إنما تستمد ثراءها من ثراء لغتها العربية.

فيما تستمد لغتنا العربية شرفها وخلودها من كونها لغة القرآن الكريم رسالة السماء الخالدة إلى الأرض، وسفير الإسلام العظيم إلى العالمين، وبها كانت دعوة الله إلى البشرية جمعاء بالنور والخير والجمال إلى الحق والعدل والسلام. من هنا مبعث اعتزازنا بثقافاتنا التي تجمع قيمها الروحية والحضارية كل مواطن يعيش على امتداد الوطن العربي من الخليج إلى المحيط ومن عمان إلى تطوان..

ومن هنا منبع انتمائنا لعروبتنا التي تجمع كل أوطانها ومواطنيها، والتي إلى أرضها نزلت رسالات السماء دعوات رحمة وخير ومحبة إلى كل الأوطان، وبمواطنيها سرت أنوارها إلى كل مكان، وعلى أرضها بقيت إلى الآن أروع الشواهد لأعرق الحضارات التي شيدها الإنسان.. ومن هنا مدعاة شرف انتسابنا لإسلامنا العظيم، الذي يجمع بقيمه السماوية وبحضارته الإنسانية كل بني الإنسان، برسالة هدى وعدالة ورحمة إلى كل الألوان والأديان والأوطان.

ولأنه دون ثقافة عربية فلا هوية عربية، و دون الهوية العربية فلا قومية عربية ولا حضارة إسلامية، ولأنه دون ثقافة عربية فلا وجود لنا في حوار الثقافات، ولا قدرة لنا على خوض صراع الحضارات المفروض، فإن الثقافة بهذا تصبح هي الدرع، التي تحمي صدور أوطاننا ومواطنينا ووطنيتنا ومواطنتنا، من غارات الغزو الثقافي طريقا إلى الإخضاع السياسي والاقتصادي، والسيف الذي نشهره في وجه المعتدين، بعدما أصبحت الثقافة في عالم اليوم هي أخطر أسلحة الحرب الحديثة، وأوضح خلفيات الصراع الدولي القائم بين الشرق والغرب.

ولأن الأمن القومي العربي مفهوم شامل لا يقوم على الدرع والسيف في ساحات المواجهة العسكرية فقط، وإنما تتسع أبعاده لتشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بل إن الأمن الثقافي هو قاعدة الهرم الأمني القومي الشامل لأي أمة من الأمم، حيث انه مصدر القيم والفكر والإبداع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فلقد كان هم الاستعمار بأشكاله القديمة هو تذويب ثقافة الشعوب المستعمرة، وفرض ثقافته الأنجلوفونية أو الفرانكفونية عليها لإلغاء هويتها وتدمير أهم دوافع ومحركات مقاومتها.

وما الهجوم الثقافي المحموم للاستعمار الجديد في محاولات غزوه الجديد لشرقنا العربي الإسلامي، إلا محاولة لضرب الأمن الثقافي العربي بجوهره الحضاري الإسلامي، بوسائل ثقافية وإعلامية تشكيكية وتقسيمية وتغريبية لنسف قاعدة الهرم لمنظومة الأمن القومي الشامل، وبالتالي لتحطيم الدرع الرئيسية للأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فبعد فشل الهجمة الاستعمارية القديمة التي غابت عنها الشمس، بفعل المقاومة الشعبية العربية التي كانت الهوية الثقافية وجوهرها قيم الإسلام الإنسانية الداعية إلى طلب الحرية ورفض الظلم ومقاومة العدوان هي أمضى أسلحتها لإجبارها على الرحيل، نواجه اليوم هجمة استعمارية جديدة تسعى لهيمنة الأمركة المشبعة بروح صليبية بينما المسيحية منها براء، متحالفة مع الصهيونية بينما اليهودية منها براء.

لكن هذا الهجوم الجديد الذي بدأ في فلسطين ثم امتد إلى العراق، والذي سوف يتقرر بمدى القدرة على التصدي المقاوم له مصير العرب والمسلمين في العراق وفلسطين، سوف يكون على المدى الطويل مصيره الفشل، لأن الهوية الثقافية العربية التي تربط شعوب هذه الأمة التي كانت مهدا للحضارات الإنسانية الكبرى ونبعا للرسالات السماوية العظمى، والغنية بتجاربها الكفاحية ضد الغزوات الاستعمارية بأشكالها القديمة والجديدة على مر التاريخ، ما زالت قادرة على الصمود والمقاومة..

ولأن الإسلام هو الجوهر الحضاري للقومية العربية، ولأن الرباط الثقافي والروحي النابع من الرسالات السماوية هو الذي يشد العربي إلى العرب، فإن ذلك يشكل أساس الأمن الثقافي العربي الذي هو جوهر الأمن القومي العربي.

mamdoh77t@hotmail.com