أيهما بادر بالعدوان على الآخر: العالم الإسلامي أم أميركا؟ هذا السؤال التاريخي ليس من عندي وإنما طرحه الصحافي الأميركي المخضرم جيمس رستون في مقالة رصينة نشرتها «هيرالد تربيون».

مع قرب انطواء صفحة جورج بوش الابن يقول الكاتب إن «كابوس العراق» سوف يتلاشى بعد رحيل بوش ليفسح المجال لمرحلة جديدة من التاريخ الأميركي.. ومن تم يتساءل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يعنى أي واحد من المرشحين للانتخابات التمهيدية الأميركية بطرح رؤيته لمرحلة ما بعد العراق في الولايات المتحدة؟

حملات المرشحين تتركز على قضايا ظلت متداولة على مدى سنين مثل الطاقة والتغير المناخي والإرهاب والعناية الصحية والهجرة. لكن لا تؤشر أي واحدة من هذه القضايا إلى مرحلة جديدة. ويضيف رستون: إن المطلوب بإلحاح لمرحلة ما بعد العراق هو من ناحية ترميم الضرر الرهيب ومن ناحية أخرى معالجة الضرر الذي أصاب مكانة الولايات المتحدة العالمية.

تأسيساً على هذه المقدمة يقول هذا الكاتب الأميركي إن هناك حاجة أميركية للتصالح مع العالم الإسلامي، ويتساءل ابتداءً: هل لدى المرشحين في الحملة الانتخابية الأميركية برامج لتغيير «الصورة الصليبية» للولايات المتحدة التي انطبعت لدى الشعوب الإسلامية؟

وامتداداً لهذا التساؤل يقول رستون: عندما يطرح الإسلام في سياق المناظرات السياسية في الولايات المتحدة فان العبارة اللفظية التي تستخدم عادة هي «التطرف الإسلامي». «فالمناظرة السياسية عندنا تتركز على حفنة من العناصر الإجرامية المنتسبة إلى العالم الإسلامي وبالتالي تجاهل مئات الملايين المحبين للسلام ممن ينتمون إلى أسرع الديانات تنامياً في هذا العصر.

إن إعادة بناء أميركا سياسياً وأخلاقياً، يقول رستون، بعد خراب امتد لسبع سنوات في عهد بوش يجب أن يتضمن عملية للتطهر التاريخي «ذلك أن مسارنا السياسي يجب أن يتم تطهيره من الانحرافات والخطوات الخاطئة والتشويهات والكذب العلني التي ارتكبت باسم الشعب الأميركي»، وهنا يتقدم رستون باقتراحات عملية أبرزها ما يلي:

أولاً: إنشاء «لجنة للحقيقة والمصالحة» على غرار ما حصل في جنوب إفريقيا لمرحلة ما بعد عهد التفرقة العنصرية.

ثانياً: نشر كافة الوثائق الحكومية الخاصة بعهد ولايتي جورج بوش على الرأي العام الأميركي حتى نعرف كيف ارتكبت الأخطاء الأميركية خاصة بشأن العراق.

ثالثاً: إحلال سلام أميركي مع الإسلام: إذ ينبغي وضع خطة شاملة هدفها تحقيق تصالح أميركي مع الدول الإسلامية.

إن الأضرار التي لحقت بأميركا، يضيف الكاتب، بسبب غزو العراق وممارسات التعذيب وسجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو قد يستغرق محو آثارها سنين طويلة وعبر إدارات أميركية متعاقبة لكن العملية يجب أن تبدأ الآن.

وبعد فإن هذه المقالة غير العادية تشرح نفسها بنفسها، وجيمس رستون ليس الكاتب الغربي الأوحد الذي قرر إخضاع قلمه لضميره رغم أنه أميركي.. فهناك من أمثاله جورج كوهين وبوب هيربرت وروبرت فيسك.

والعبرة التي تستخلص هي على الطرف الآخر من مفكرين ومعلقين عرب لا هاجس لهم سوى تبرير كل ما ارتكبت وترتكب الإدارة الأميركية بحق العرب والمسلمين والإسلام.