الظلام الذي أغرقت فيه غزة والذي يضعها على حافة كارثة إنسانية وبيئية، لم يكن خارج التوقعات، سبق أن هددت به إسرائيل، ولا شك أنها وجدت في الوقائع والمعطيات القائمة ما يسمح بتمرير فعلتها التي ليست أقل من جريمة عقاب جماعي توازي جريمة حرب.
منذ أسابيع وهي تلوح بهذا الخيار، وكان ذلك جزءاً من عملية إطباق تام على القطاع لخنقه، عمليات عسكرية بكافة أنواع الأسلحة وما رافقها من قصف بري وجوي وإقفال تام للمعابر، آخر الحلقات، وليس الأخيرة، كانت في قطع إمدادات الوقود بالكامل وبالتالي في تعطيل المولدات وانقطاع التيار الكهربائي، وأدى ذلك، طبعاً إلى شلل شبه تام في مختلف المرافق، خاصة الصحية؛ فضلاً عن الجوانب المعيشية والبيئية.
وفي عز فصل الشتاء والصقيع، وثمة إشارات وتلميحات حول اجتياح إسرائيلي واسع للقطاع، وكان كل هذا التصعيد قد حصل، من دون أي اعتراض رادع، لا بل من دون أي اعتراض كابح للاندفاعة العدوانية الإسرائيلية. حصل على مرأى ومسمع وضع دولي، وبالتحديد أميركي، متفرج، وفي أحسن أحواله، محذر لكن بخجل، من أن يؤدي التمادي في حصار غزة إلى اختناقها.
إسرائيل، كالعادة، لا تتوقف عند هكذا لغة مناشدة ولا تعيرها أي اهتمام، خاصة وأنها تحظى بالغطاء الأميركي الحامي. والباقي لا تأبه به حتى عندما يرفع صوته، فكيف إذا هو لاذ بالصمت. أو الاكتفاء بإرسال إشارات التذمر والضيق.. وحتى الإدانة؛ طالما بقي ذلك؛ خارج دائرة التحرك الفعال.
بيد ان كل ذلك في كفة؛ وظلم ذوي القربى، في البيت الفلسطيني الداخلي وحده في الكفة الأخرى، أن تضع إسرائيل غزة أو غيرها من الأراضي الفلسطينية؛ في الظلام؛ مع كل ما يترتب على ذلك من معاناة؛ بل من تهديد لسلامة وحياة الغزاويين؛ فذلك ظلم متوقع منها.
فهي ليس في جعبتها للشعب الفلسطيني سوى ما يجعل حياته جحيماً، هذا في أحسن الحالات، وعدوانها المتواصل أخذ ولا يزال كافة الأشكال التي تيسرت لها، لكن الجانب الآخر لهذا المشهد المأساوي الكارثي أنه في ذات الوقت الذي تلجأ فيه إسرائيل إلى ممارسة أبشع وأشرس أساليب وطرق القتل، بل العمل على إطفاء حياة الفلسطينيين.
تنشغل الساحة الفلسطينية وتصر على الانشغال بصراعاتها وانقساماتها الداخلية، حتى بلوغ الهجمة الإسرائيلية هذا الحد الذي يهدد بالفواجع، لم يكن كافياً كي تتنادى الأطراف الفلسطينية المتخاصمة إلى عقد لقاء؛ ولو تشاوري.
والمستهجن أكثر أنه بقدر ما ترفع إسرائيل من وتيرة ودرجة عدوانها الكاسر؛ بقدر ما يتعنف الخطاب الفلسطيني ـ الفلسطيني وتتعمق الهوة بين أطرافه. ساحة مستفردة تأتيها الضربات المتوالية على الرأس من العصا الإسرائيلية وتنهشها نزاعات أهل البيت من الداخل.
لقد تمادى الشطط الفلسطيني إلى الحد الذي بات معه يقدم الخدمات، دون ان يدري ويقصد، إلى إسرائيل؛ التي انتقلت إلى أسلوب المعاقبة بالجملة، وفي ذلك ظلم مضاعف لشعب بات يتلوى بين مطرقة عدو لا يرحم ومسنود بقوة عظمى لا تسمع؛ وبين سندان كيديات وعبثيات ساحته الداخلية.
