لا تهدف إسرائيل من وراء عدوانها المتواصل على قطاع غزة، لإضعاف المقاومة الفلسطينية المسلحة فقط، ولكنها تسعى أيضا إلى تحقيق مجموعة أخرى من الأهداف، التي يرتبط بعضها بالوضع في غزة، وبعضها الآخر بأمور تخص الحكومة الإسرائيلية وخططها للتعامل مع أوضاع ما بعد مؤتمر أنابوليس للسلام.

تعرف القيادة الإسرائيلية يقينا، سواء بحكم تجاربها السابقة أو بقراءاتها للأوضاع في المنطقة، أن القضاء على المقاومة الفلسطينية واحد من مستحيلات الصراع في الشرق الأوسط، لكنها تحاول استغلال الظروف الدولية والإقليمية التي تميل لصالحها لكسر حدة هذه المقاومة، ومن ثم الفوز بهدوء يرضي سكان المستعمرات القريبة من القطاع، ويمنع موجات الهروب منها، والتي تمثل تحديا كبيرا لجوهر المشروع الصهيوني.

كذلك تهدف قيادة الحكومة الإسرائيلية التي فقدت مؤخرا دعم حزب إسرائيل بيتنا إلى توجيه رسالة مضادة لقوى اليمين التي مازالت متحالفة معها كحزب شاس، وتلك التي تزايد عليها كتكتل الليكود، بأنها وعلى الرغم من خوضها مفاوضات مع السلطة الفلسطينية من أجل التوصل إلى تسوية نهائية قد تسفر عن قيام دولة فلسطينية مستقلة، ما زالت تضع قضية الأمن في قمة أولوياتها، وأنها لن تكترث لأي مواقف دولية أو إقليمية تحد من حرية حركتها في الأراضي المحتلة.

وبالمثل تهدف الحكومة الإسرائيلية، عبر عدوانها على غزة إلى التصدي مبكرا لتقرير لجنة فينوجراد الخاصة بحرب لبنان والذي يتوقع صدوره نهاية هذا الشهر حاملا انتقادات حادة لأركان السلطة الصهيونية. والحق أن هذا الهدف تحديدا، هو الذي يقف وراء المفردات النارية التي يستخدمها إيهود أولمرت في حديثه عن غزة، ذلك أن الرجل الراغب في محو صورته كقائد مهزوم في المواجهة مع حزب الله لا يكف عن تقديم المواجهة غير المتكافئة بين قواته بكل ما لديها من إمكانيات وأبرياء غزة، على أنها حرب جديدة، متوقعا أن يؤدي انتصاره المفترض فيها لطمر الفضيحة المسجلة باسمه على الحدود اللبنانية.

على أن أخطر أهداف إسرائيل من هذا العدوان، يتمثل في تعميق الفجوة بين السلطة الفلسطينية و فصائل المقاومة من جهة، وبين هذه الفصائل وسكان غزة من الجهة الثانية، والواقع أن ما ردده البعض مؤخرا عن مسؤولية حركة حماس عما يتعرض له القطاع، وحديث البعض الآخر عن الويلات التي خلفها إطلاق الصواريخ على المستعمرات الإسرائيلية يخدم هذا الهدف، بل إنه يضرب جهود المصالحة الفلسطينية في مقتل، ويقدم لجيش الاحتلال غطاء لمواصلة عدوانه.

والواضح للمتابع أن قوات الاحتلال التي قتلت منذ بدء عدوانها الحالي أكثر من 40 فلسطينيا، لن تتورع عن ارتكاب المزيد من المجازر لتحقيق هذه الأهداف، حتى لو كان الثمن القضاء على الحياة في قطاع غزة.