المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك يصف الغارات الإسرائيلية على القطاع بأنها «دفاع شرعي عن النفس ـ أ ف ب ـ 18/ 1/ 2007»، واولمرت يعلنها من جهته: «تدور حرب في الجنوب.. كل يوم وكل ليلة».

مضيفاً بعد دقائق من غارة جوية جديدة على غزة «أن هذه الحرب لن تتوقف حتى يتوقف سقوط صواريخ على إسرائيل، وكالات الأنباء 18-01-2008»! وبينما يتفاخر رئيس الشاباك الإسرائيلي «يوفال ديسكين» في الجلسة الحكومية الأحد 14/ 1/ 2008 بـ «قتل ألف فلسطيني»،

يزايد عليه «آفي ديختر» وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي بقوله «هناك حوالي 20 ألف مخرب في القطاع يجب قتلهم»، ليلحق بهما أولمرت أيضاً قائلاً: «يوجد هناك حرب، وإسرائيل تتصرف بذكاء، ومئات القتلى في قطاع غزة في السنة وسط المنظمات الإرهابية هو ثمن لا بأس به تدفعه تلك المنظمات».

ولم يمض على ذلك سوى ساعات حتى اقترفت مجزرة الثلاثاء الحمراء ثم سلسة المجازر الصغيرة اللاحقة أيام الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والمجزرة مفتوحة! وليس ذلك فحسب، فدولة الاحتلال افتتحت السنة الجديدة بمجازر متلاحقة بشعة!

فقد صعّدت من جرائمها بحق الشعب الفلسطيني منذ لقاء «أنابوليس»، الذي انعقد في السابع والعشرين من 2007، حيث قتلت ما يزيد على 124 فلسطينياً، معظمهم في أول أسبوعين من الشهر الأول لسنة 2008، «قدس برس ـ 17/ 01/ 2008»، فقد قتلت قوات الاحتلال خلال النصف الأول من شهر يناير الجاري 54 فلسطينياً، بينهم 52 فلسطينياً ارتقوا شهداء في قطاع غزة، واثنان من الضفة.

إذن نحن أمام مجزرة مفتوحة ـ وهذه المجزرة ـ المذبحة ـ الجريمة الكبيرة البشعة المروعة المفتوحة ـ كما هي حرب اولمرت المفتوحة ـ التي تقترفها آلة جيش الاحتلال ليست مفاجئة أبدا إذن! وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بل ربما تكون قد نفذت المزيد من المجازر والمذابح مع نشر هذه المقالة!

فالذي يجري في هذه الأيام على امتداد مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام، وعلى ارض القطاع على نحو حصري مخطط ومبيت ومؤدلج ومدجج بفتاوى وتشريعات الحاخامات، وبالقرار والتصميم والإصرار الرسمي والأمني ـ الحربي الإسرائيلي.

والذي يجري على ارض القطاع يمكن أن نطلق عليه المجزرة ـ المذبحة المفتوحة التي تنفذ مع سبق التخطيط والتبييت والترصد في إطار استراتيجية «قطع رأس حماس» و«القضاء على مصنع الإرهاب»!

ففي الجوهر والصميم والتطبيقات والتداعيات على الأرض الفلسطينية، فإن هذه الاستراتيجية هي جوهر القرار الإسرائيلي ـ الأميركي في هذه الأيام، والذي يجري هناك على امتداد مساحة الأراضي المحتلة مجازر دموية جماعية وفردية بشعة مروعة مفتوحة تقترف ببالغ التخطيط والتبييت والإصرار الإجرامي ضد أطفال ونساء وشيوخ فلسطين،

وحملات واجتياحات حربية تدميرية شاملة اقتلاعية ترحيلية مستمرة بمنتهى الإصرار والإجرامية، وحرب تطهير عرقي تعتبر الأبشع والأطول عبر التاريخ حتى الآن، وحرب إبادة سياسية شاملة تستهدف النيل من الحقوق والمطالب والتطلعات الاستقلالية الفلسطينية،

وحرب تدمير شامل لكل البنى المدنية والأمنية الفلسطينية، وحرب اغتيالات شاملة للوطن الفلسطيني المحتل، وحرب اغتيالات شاملة للهوية والوجود والمستقبل الفلسطيني، وهي بالتالي في حكم كل المواثيق والقوانين والأعراف والأخلاقيات الدولية والبشرية جرائم حرب خطيرة تستدعي وبصورة عاجلة جدا التدخل الدولي والحماية الدولية لصالح الشعب الفلسطيني الأعزل،

وعلى ذلك فإن الأسئلة الملحة العاجلة جدا تصبح على الأجندة العربية: لماذا إذن تستمر النكبة الفلسطينية منذ ستين عاما بلا توقف ؟! ولماذا تستمر المجازر الدموية المروعة ضد الأطفال والنساء والشيوخ بصورة مفتوحة، والسؤال الأكبر: أين العرب ؟!، أو أين المجتمع الدولي من كل ذلك ؟!

والى متى ستستمر هذه النكبة والمجزرة الجماعية الإبادية للشعب الفلسطيني على مرأى من العالم كله وتحت سمع وبصر وفرجة العالم العربي على وجه حصري ؟!، رفح.. رفح.. رفح.. غزة.. غزة.. غزة.. خانيونس.. خانيونس.. خانيونس، ومعها نابلس.. وجنين.. والخليل.. إلخ، ولكن..!

إلى كل ذلك: حينما تتجمع مثل هذه المعطيات والاعترافات والوثائق فإنها تضاف إلى جملة أخرى طويلة من الشهادات والوثائق ومن ضمنها شهادات ضباط في الجيش الإسرائيلي في مقابلات أجريت معهم، والذين قاموا بالكشف عن المجازر التي نفذت مثلا ضد جنود مصريين في العام 1956 وفي العام 1967.

فإنه لا يبقى عمليا سوى أن تتحرك العدالة الدولية «الغائبة المغيبة حتى اليوم» وان تتحرك محكمة الجنايات الدولية الفعالة على جبهات أخرى غير الجبهة الإسرائيلية! ولعل في مقدمة التحركات العاجلة الملحة أن تنقل قضية الاحتلال الإسرائيلي برمتها الى محكمة العدل الدولية،

وهذ ما جاء في تقرير ـ شبه تقرير ـ جون دوغارد بروفسور القانون الجنوب افريقي والذي يشغل منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة لقضايا حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية الذي «يتهم إسرائيل بارتكاب ممارسات لا تختلف عن نظام الفصل العنصري كإغلاق المناطق الفلسطينية وهدم منازل الفلسطينيين ومنح الأفضلية للمستوطنين اليهود على الطرقات «عن الوكالات 2007/ 2/ 24».

وتساءل دوغارد في تقريره: هل يمكن إنكار أن الهدف من وراء مثل هذه الممارسات هو فرض هيمنة مجموعة عرقية واحدة (اليهود) علي مجموعة عرقية أخرى (الفلسطينيين) من ثم قمعها بطريقة منهجية؟، وقال دوغارد إن غزة أصبحت بعد الانسحاب الإسرائيلي منطقة مغلقة وسجينة وأرضاً محتلة، وطالب المحقق الدولي في الختام بنقل قضية الاحتلال الإسرائيلي إلى محكمة لاهاي الدولية!

ولكن أيضاً: ما يجري في القطاع والضفة يشرح لنا أولاً وقبل كل شيء قصة الصمود والتصدي والبقاء الفلسطيني في مواجهة مشروعهم الإرهابي الاستعماري الاستيطاني بركائزه وتطبيقاته الإجرامية المنفلتة. وما يجري هناك يحكي لنا قصة النكبة/ الكارثة والبطولة الفلسطينية التي تتجلى أمام العالم بالبث الحي والمباشر.

وهذا الذي يقترف أيضاً على أيدى آلة الحرب الصهيونية إنما يسقط الأوراق عن كل العورات العربية والدولية. فما الذي يفعله المجتمع الدولي بمنظمته الأممية ومجلسه الأمني ولجانه وجمعياته المختلفة إزاء جرائم الحرب الصهيونية ؟!

وما الذي تفعله الدول الأوروبية الديمقراطية الحرة حاملة شعارات حقوق الإنسان سوى الشجب والبيان ؟ والأصل والأهم والأخطر لماذا يغيب الحضور والدور والفعل العربي الحقيقي عن كل ما يجري في فلسطين ؟!

لماذا يكتفي العرب بالفرجة والتباكي من بعيد على ذبح أطفال ونساء وشيوخ فلسطين وعلى اغتيال الوطن الفلسطيني. إن ردود الفعل العربية على المجزرة الصهيونية المفتوحة بائسة وخجولة ومخجلة ! تحتاج فلسطين إلى تحرك دولي حقيقي يرتقي إلى مستوى القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين.

كما تحتاج فلسطين قبل ذلك إلى تحرك الجسم العربي لحماية أهل فلسطين وتحتاج إلى فعل عربي حقيقي وعاجل جداً جداً وليس إلى مناقشات وبيانات شجب واستنكار تذهب مع الرياح بينما يواصل (بلدوزر) الإرهاب والقتل والدمار الصهيوني جرائمه بلا رادع حقيقي وببالغ الاحتقار والاستخفاف بالعرب والعالم !

أم أن الأحوال العربية ستبقى كما كثفها احمد مطر في قصيدته:

إذن عربنا سيشعرون بالخجل، واختتمها ب: أبصق على وجهي إذا هذا خصل.. يمتلك العرب كما كبيرا ومحترما من القرارات الدولية لصالح فلسطين ويمتلكون كل مقومات الموقف الموحد والقوي والمؤثر لو أراد أصحاب القرار ذلك ؟، ويمتلكون كما كبيرا من الأسلحة والأوراق الرادعة لو أراد أصحاب القرار تفعيلها؟

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com