يبدو أن هناك مسلمات عديدة باتت مراجعتها تمثل أحد أشد الشؤون إلحاحاً التي يتعين على المجتمع العربي أو بالأحرى المجتمعات التي تعيش في كنف العالم العربي التصدي لها بصورة فورية وطارئة قبل فوات الأوان مرة وإلى الأبد من غير رجعة.
ولم يعد خافياً على أحد أن إحدى أبرز تلك المسلمات تتعلق بانعدام أي حراك اجتماعي حقيقي يعكس صورة الفجوة الهائلة القائمة بين النظام الرسمي العربي أو مجموع مكوناته من جهة وبين الشعوب التي يفترض بأن ذلك النظام يمثلها ويعكس واقعها ويعبر عن تطلعاتها المستقبلية.
المعروف أن مصلحة المجتمع، أي مجتمع، تتكون من مجموع مصالح أفراده، فكيف لهؤلاء الأفراد ألا يتحركوا عندما تضرب مصالحهم الفردية والجمعية على حد سواء؟ ومن أين يأتي كل منهم بهذه السكينة القاتلة كحد السكين؟
كيف لهم ألا يتحركوا دفاعاً عن تلك المصالح؟ الحقيقة أن التجارب الاجتماعية التي تخوض غمارها شعوب المنطقة وقواها السياسية الناشئة والتقليدية كذلك تثبت بطريقة لا يرقي إليها الشك وجود نوع راسخ من العطالة الاجتماعية التي طال أمدها ولم يعد السكوت عليها أمراً محتملاً.
حجم القضايا والتطورات التي تعصف بالمنطقة هائل بطريقة لا يستهان بها تجعل من الوقوف على الأطلال والاكتفاء بتحريك الكتفين أمراً غير مقبول على الإطلاق لا من جانب الأفراد ولا من جانب المجتمعات وممثليهم عموماً،
وقد تكون صورة العربي في أذهان بقية أقرانه من أبناء الشعوب الأخرى خير دليل على تردي سمعته وشيوع صيته تحديداً فيما يتعلق بحقيقة العطالة الاجتماعية التي باتت تطال كافة مناحي الحياة في هذه المنطقة من العالم في زمن أصبحت الحركة فيه سمة أساسية ومفتاحاً لكل تقدم ونجاح.
صحيح أن لهذه العطالة الاجتماعية أسباباً موضوعية تبدو في الظاهر بعيدة كل البعد عن إرادة الناس، بيد أن الأسباب الذاتية لهذه الظاهرة المرضية أشد وطأة وفتكاً من أي أسباب أخرى يحلو للبعض التشدق بها في محاولة للتستر على العيوب
والنواقص التي استشرست حتى الثمالة بين جنبات المجتمعات العربية أينما ولى المرء وجهه إلى درجة بات معها من الممكن القول اننا نقف أمام أمة لا تتنفس وعندما يحلو لها ذلك أو يسمح لها به، فإنه تقيس أحجام أنفاسها وتعدها بعناية فائقة كي لا تنقص أو تزيد على اللازم والمطلوب ولو قيد أنملة.
على سبيل المثال لا الحصر، إذا كان النظام الرسمي العربي بمكوناته المختلفة قادراً على احتمال كل ما يجري من أحداث مأساوية مثلت زيارة بوش الأخيرة للمنطقة آخر فصولها لأنه إما يمثل جزءاً منها أو مشاركاً في إعدادها أو راضياً عنها أو مضطراً لقبولها لأسباب خاصة به، فإن الفطرة السليمة تقول إن للجانب الآخر من المعادلة ممثلاً بالشعوب والمجتمعات وحركاتهما السياسية والمدنية حسابات من نوع مغاير تماماً،
لكن يبدو أن هذه الحسابات إما غائبة أو مغيبة والنتيجة واحدة في كلا الحالتين عندما تأتي النتيجة على شكل عطالة اجتماعية قاسية يبدو أنها تشق طريقها بقوة متناهية نحو التحول إلى موقع الثبات والديمومة.
في الماضي حتى القريب، كان كل حدث من الأحداث التي تعصف حالياً بالمنطقة العربية بصورة يومية كفيلاً بإحداث ثورة مجتمعية هائلة قادرة على الفعل وتغيير مسار الأحداث. اليوم تمكنت القوى المعادية في الداخل والخارج من الوصول إلى قلب الحدث وتعطيل مكوناته الأساسية ممثلة بالأفراد أولاً وبالمجتمعات ثانياً وغابت عن المشهد برمته بذلك صورة أي طرف آخر يمكن أن يعلو صوته ويصرخ بكلمة «لا» في وجه تلك القوى.
بوش أتى بخطاب أقل ما يقال فيه إنه لا ينسجم ومصالح شعوب المنطقة التي تنشد الأمن والسلم والرخاء بينما جاء هو حاملاً معه خطاباً حربياً عدوانياً متعالياً من الطراز الأول فهاجم جميع القضايا العادلة التي تخص المنطقة وحاول إزكاء نار الفتنة والانقسام بين شعوبها من جهة وبين فئات المجتمع الواحد من جهة أخرى، لكن على الرغم من ذلك، ظلت قليلة خجولة تلك الأصوات المنددة بزيارة الرئيس الأميركي التاريخية للمنطقة.