جال في خاطري بعد انتهاء جولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى المناطق النائية في المنطقتين الوسطى والشرقية من الإمارات يوم الخميس الماضي والتي تشرفنا، نحن رؤساء تحرير الصحف اليومية في الدولة بمرافقة سموه خلالها، سؤال حول الاستراتيجية والتفاصيل، أين يلتقيان ومدى أهمية كل منهما للآخر.

الشيخ محمد أعلن منذ توليه رئاسة الحكومة قبل عامين، ولأول مرة، عن استراتيجية لحكومته، وكلف وزراءه، كلاً في مجاله بوضع استراتيجية كل وزارة، ثم راح يستعرض تفاصيل كل استراتيجية في خلوات وزارية شهرية، تلاها بمتابعة التنفيذ ومراقبة أداء الحكومة، نتج عنها أن أعلن في ختام جولته عن قرب تغيير وزاري، سوف يحدث الشهر المقبل.

وربما لم يكن الشيخ محمد مضطراً لتغيير وزاري، لولا أن النظر في التفاصيل، أدى إلى اقتناعه التام بضرورة التغيير، والمتوقع أن يكون كبيراً، ففي التفاصيل يمكن أن نرى مدى نجاح تطبيق الاستراتيجية، وحين تكشف التفاصيل عن ضعف في أداء بعض الوزارات أو تأخر ما عن التنفيذ، فإن التغيير يصبح ضرورة حتمية، خاصة بالنسبة لرئيس حكومة كالشيخ محمد يؤمن بأهمية التغيير من أجل استمرار التطوير.

وأبقى مع التفاصيل، فهذه عرفتها من جولتنا برفقة الشيخ محمد، حيث اتضح جلياً أنه كذلك يهتم بالتفاصيل قدر اهتمامه بالاستراتيجية وقدر اهتمامه بالرؤية الشاملة لتطوير بلاده إلى الأحسن دوماً، وبحياة مواطنيه ليجعلها الأهنأ والأرغد والأكثر كرامة.

ومذ البداية كان واضحاً أهمية التفاصيل، فهو سألنا في الصباح الباكر وقبيل انطلاق الجولة، عما إذا كنا قد أفطرنا، وكان الإفطار معداً وجاهزاً في نقطة الانطلاق من مزرعته بالمرموم، ولا يسأل عادة قائد فريقه عما إذا كان قد أفطر، إلا إذا كان هذا القائد مهتماً براحة فريقه، فإذا أردت فريقاً منتجاً فلا بد من أن يكون هذا الفريق مرتاحاً تماماً قبل القيام بالمهمة وبالأعباء والمسؤوليات.

ثم توالت التفاصيل، وأولها جولة قصيرة في المزرعة، ويقول عنها الشيخ محمد إن هذه المنطقة كانت جرداء لا تأتي إليها الطيور، واليوم بعد أن قام بزراعتها وكثرت الأشجار فيها جاءت إليها الطيور من الحمام الورق إلى الهداهد وما بينهما،

ثم قدم إلينا سموه «ليلى» مفاجأة هذه الجولة الصباحية القصيرة في المرموم، فإذا بها «شيتا» من نوع النمور، قام سموه بتربيتها وإنسنتها فصارت أليفة وصديقة للإنسان، وأولهم سموه وزواره، وفي حالتنا، نحن الصحافيين زواره صباح الخميس فداعبها زملاء برفقة سموه في لطف وإعجاب.

أما في الجولة نفسها، فكنا نسأل أنفسنا والزملاء عن البرنامج، فعرفنا أنه لا يعرف أحد البرنامج ولا مسار الرحلة سوى الشيخ نفسه الذي تقدم القافلة عبر طرقات معبدة وأخرى غير معبدة، وكان واضحاً طوال الرحلة التي استغرقت ست ساعات أنه يعرف تفاصيل الطرق وتفاصيل القرى، مما كنا نجهل كثيرا منهاً، إذ وطئت أقدامنا طرقاً لأول مرة ومررنا بقرى لأول مرة، ورأينا لأول مرة، وسمعنا عن بعضها لأول مرة.

وفي النهج نفسه، نهج التفاصيل، رأينا الشيخ يختار نماذج متفرقة مما يحب أن يعرف عنه الكثير، ومما جعلنا نعرف عنه الكثير، من مشروع جديد للإسكان، إلى مركز شرطة، ومن منزل مواطن إلى آخر، ومن طريق جديد يتم تعبيده إلى طرق أخرى أقدم عمراً،

ومن مواطن في الثمانين من عمره إلى أطفال في عمر الزهور من أبناء هذا الوطن، ومن رجل عسكري إلى امرأة، إلى بيت توقف عنده الشيخ، عرفنا أن سكانه كانوا جيراناً للشيخ، ومن مياه متراكمة على أطراف الطرق عقب أمطار الخير، إلى سدود ووديان، لتنتهي الجولة بغداء على قمة إحدى الهضبات في صحرائنا الجميلة.

وفي كل هذه التفاصيل، لا بد أن الشيخ كان يستجمع ما ينبغي معرفته عن أحوال ناسه، عبر النظر العميق إلى ما هو على الواقع، وعبر الاستماع بدقة إلى أصوات من قابلهم من شيوخ ونساء وأطفال وشباب، ليقرر بعدها ما تم الإعلان عنه من أخبار سارة،

أهمها توفير 40 ألف مسكن ومضاعفة المساعدات الاجتماعية، والشروع في التغيير الوزاري، لدفع عجلة التنمية مزيداً إلى الأمام، وبالسرعة المطلوبة لإنجاز ما هو في الاستراتيجية، والتي أهمها تمكين المواطن وإسعاده في أرضه، اليوم وليس بعد عشرين عاماً، حسبما أعلن ذات مرة الشيخ محمد نفسه.

وهنا تكمن أهمية التفاصيل في تفعيل الاستراتيجيات، عوضاً عن بقاء هذه الاستراتيجيات رهينة المكاتب والروتين واللجان والتخطيط وإعادة التخطيط، فتضيع مع الزمن وتتلاشى، حال أغلب الاستراتيجيات العربية اليوم، وفي التفاصيل أن من يرى ليس كمن يسمع، ومن يسمع ليس كمن يحلم، ومن يحلم ليس كمن يفعل.

وأدركنا أن الشيخ محمد يرى ويسمع ويحلم ويفعل، وأدركت شخصياً أهمية وقوف المسؤولين على التفاصيل أيضاً، إذا أرادوا تفعيل الاستراتيجيات وتحويلها إلى مشروعات على أرض الواقع، وليس مجرد أحلام على الورق سرعان ما تذروها رياح النسيان.

وأنتهي من درس التفاصيل الذي تعلمناه من الشيخ محمد، إلى أن الرجل الذي يرأس اليوم الحكومة الاتحادية لا يريد وزراء تغرقهم التفاصيل عن الاستراتيجيات البعيدة، ولا يريد في الوقت نفسه وزراء تبعدهم الاستراتيجيات عن التفاصيل المتعلقة بحياة المواطن، وتتكون منها ومن أجلها، والاستراتيجيات الناجحة تنتهي بتفاصيل مشرقة على أرض الواقع.

وأرى من هذا الدرس أن وزراء الحكومة المقبلة التي سوف نشهدها الشهر المقبل، على رأس مواصفاتهم شيء من قدرات رئيسهم، وعلى رأس هذه القدرات، القدرة على الرؤية الصحيحة والعمل الصحيح

وسرعة الإنجاز ودقته والفعل الدائم والحركة الدؤوبة، تجاه تحقيق الاستراتيجيات عبر الاهتمام بالتفاصيل، تفصيلاً تفصيلاً، على الأرض لا في المكاتب، فالأرض تشهد على المنجزات، وليس ملفات المكاتب ولو زادت هذه وزناً جبال الألب.

عبدالحميد أحمد

رئيس تحرير «جلف نيوز»