ربما لا أتذكر الآن من هو الحكيم العربي القائل، لكني أتذكر المقولة الخالدة التي تقول «إن معلم نفسه أولى بالإجلال من معلم الناس جميعا».. وعندما تقول الحكمة الشائعة إن «فاقد الشيء لا يعطيه»، فإنها تشير بإصبع الاتهام لكل الذين يتخذون لأنفسهم مقاعد المعلمين لغيرهم قبل أن يعلموا أنفسهم.. ويقولون للغير شيئا لا يقولونه لأنفسهم..

ويطالبون غيرهم بتطبيق شيء لا يطبقونه على أنفسهم.. وفى هذا شددت منظمة هيومان رايت في تقريرها العام الماضي على النفاق في الخطاب السياسي الأميركي الذي فقد المصداقية والثقة خصوصا بعد انكشاف ممارستها بأبشع صورة للكذب وللتعذيب وللاستعمار من جديد حينما تقول إن رسالة واشنطن للعالم تقول: «طبقوا فقط ما أدعوكم إليه وليس ما أقوم به»!!

وهنا نتذكر مرة أخرى صورة الثعلب المكار الذي صوره لنا الشاعر العربي واعظا للناس غير الماكرين داعية ضد المكر والمكارين، وهذا يقودنا للإطلال على أكثر من مثال في أكثر من مكان في عالمنا وفى أكثر من قضية في منطقتنا بما يشير إلى الثعلب المكار الذي يهاجم المكر ويسب الماكرين!

فمثلا عندما تقوم الدول الكبرى المالكة بالفعل للأسلحة النووية الفتاكة والتي تشكل بها تهديداً يمكنها من فرض إرادتها وهيمنتها على الآخرين بمطالبة بقية الدول الصغرى باسم الحرص على السلام في العالم إلى عدم امتلاك

مثل هذه الأسلحة، التي لا تسعى إليها إلا للدفاع عن نفسها ولحماية إرادتها من هيمنة الكبار أو للشعور بالأمن في مواجهة التهديد بحجة الحفاظ على السلام العالمي.. أوليس ذلك مدعاة للدهشة من هذا المنطق الفارغ المضمون؟!

أفلا يكون من الأولى بهذه الدول إذا كانت حقا ترى أن امتلاك السلاح النووي خطر على أمن العالم أن تبادر هي أولا إلى تفكيك ترساناتها النووية حتى لا تفقد منطقها وهى تطلب ذلك من الآخرين؟!

فما بالك بدولة لا تخفى مشروعاتها الشريرة على أحد، إذ هي الوحيدة في العالم التي أجرمت في حق البشرية باستعمال القنبلة النووية لتقتل وتشوه الملايين من المدنيين اليابانيين، و تزيد من تطوير ترسانتها النووية العسكرية لإرهاب العالم،

و لا تسعى إلى السلام في العالم بل إلى الهيمنة على العالم ، بل لا تعنى بكلمة السلام إلا فرض الاستسلام، ولا تكف عن إشعال الفتن والانقسامات والحروب الأهلية والإقليمية والدولية تحقيقا لأجندتها الإمبراطورية؟!

ولا شك أن من لا يملك الحرص على السلام العالمي لا يملك بالتأكيد الحرص على سلام إقليمي، بينما يفقد منطقه في مطالبة الآخرين به ذلك «لأن فاقد الشيء لا يملك أن يعطيه»، في حين تملك حليفتها الاستراتيجية وقاعدتها العسكرية البرية الصهيونية وحدها بالفعل سلاحا نوويا تهدد به منطقة الشرق بأكملها وتلوح به لاغتصاب مزيد من الأرض ولمحاولة فرض الأمر الواقع القائم على العدوان !!

وفى مواجهة ذلك كان الرد المصري الرسمي بالأمس أمام تشيني كما هو اليوم أمام بوش يملك كل المنطق وهو يعلن بوضوح في أعقاب طلب نائب الرئيس الأميركي «ديك تشيني» العام الماضي من الرئيس «حسنى مبارك» تأييد مصر للموقف الغربي الضاغط على إيران لوقف برنامجها النووي: «أن مصر والعرب مع «عالمية نزع السلاح النووي»،

مؤكدة في شجاعة أنها ترفض الحرب لحل النزاع حول البرنامج النووي الإيراني بغض النظر عن خطورته من عدمه، وأن مصر لا يمكن أن تؤيد موقفا ضد البرنامج النووي السلمي الإيراني ما لم تتخذ الوكالة الدولية موقفاً مماثلاً ضد البرنامج العسكري النووي الإسرائيلي،

لأن الموقف المصري الذي يشاركه الموقف الخليجي وفى مقدمته السعودي يقوم على ضرورة إخلاء الشرق الأوسط كله من السلاح النووي وليس التغاضي عن خطر واقع والتصدي لخطر محتمل لم يثبت بعد».

والأكثر مدعاة لرفض وعظ الواعظين الأميركيين أن معاهدة حظر الانتشار النووي التي وقعتها مصر العربية، وإيران الإسلامية لم توقع عليها تلك «الدولة اليهودية» بعد.. فهل يبقى لأمثال هؤلاء الواعظين الفاقدين للمنطق أي منطق؟!.. لا أظن.

mamdoh77@hotmail.com