هل تتغير رؤية أميركا للعالم بعد رحيل بوش؟ رغم أن هذا التساؤل الكبير أصبح أحد المحاور الجدلية الرئيسية في معركة التنافس بين مرشحي الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» للفوز بالترشيح النهائي للسباق الانتخابي الرئاسي، إلا أن التساؤل يطرح بصورة معممة ومختزلة وكأن المتنافسين يتخوفون من الخوض فيه بتفصيل.
الطابع الغالب على توجهات إدارة بوش وقد دخلت عامها الثامن هو اعتماد الحروب الخارجية كأداة أساسية لتحريك السياسة الخارجية الدولية للولايات المتحدة، وهو ما يطلق عليه «الحروب الاستباقية» أو «الوقائية»، وتأسيساً على هذه الحقيقة فإن أي تغيير بعد رحيل إدارة بوش عند نهاية العام الحالي لا يطال سياسة شن حروب خارجية لن يكون تغييراً جذرياً وحقيقياً.
إدارة بوش شنت حربين كبيرتين ـ أفغانستان والعراق، والنتيجة في كلا الحالتين هي كما نرى الآن: فشل عسكري أفضى إلى فشل سياسي مع كلفة مالية أسطورية، مما أدى بالتداعي ومرور السنين الدموية إلى إضعاف القوة العسكرية للولايات المتحدة وهز هيبتها السياسية الدولية وخلخلة قواعد اقتصادها الوطني.
وأخطر من هذا كله أن الولايات المتحدة باتت متورطة في مستنقع، بحيث إن إدارة بوش لا تعرف الآن هل تنسحب القوات الأميركية من مسرح القتال أم تبقى، فالانسحاب من أفغانستان يعني تسليم البلاد إلى حركة طالبان، ومن العراق يعني قيام دولة عراقية ذات علاقة تحالف وولاء مع الثورة الإسلامية في إيران، وأما البقاء في كلا الحالتين فسيعني مسلسلاً من الهزائم للقوات الأميركية إلى أن تضطر إلى انسحاب مذل كما جرى في فيتنام.
في ضوء هذه الحقائق فإن التغيير في أميركا ما بعد بوش ينبغي أن يعني بالضرورة وبالدرجة الأولى إزالة عسكرة السياسة الخارجية الأميركية، فالجنرالات وليس الدبلوماسيون ورجال الدولة هم الذين يتولون تخطيط وتنفيذ هذه السياسة وبالتالي فهم الذين يتحكمون في التحرك الأميركي في أنحاء العالم.
وإذا صح لنا أن نعتبر حملات معركة الترشح الانتخابية الجارية حالياً مقياساً للتنبؤ بطبيعة ونوعية التغيير للفترة الرئاسية المقبلة فإنه يمكن القول إن السياسيين البارزين في الولايات المتحدة لم يستفيدوا حتى هذه اللحظة ليس فقط من درس الحاضر بل درس الماضي أيضاً.
خلال النصف الأول من عقد التسعينات أوكلت الولايات المتحدة إلى الاستخبارات العسكرية الباكستانية في عهد حكومة بنازير بوتو آنذاك مهمة تشكيل وتدريب قوة قتالية من الطلاب الأفغان لتستولي على السلطة بالقوة في كابول لوضعها في خدمة الأجندة الأميركية، تلك كانت نواة تنظيم حركة طالبان،
فقد أرادت واشنطن التخلص من تحالف قادة الفصائل العرقية الحاكمة في كابول بعد أن ضعف هذا التحالف بسبب الاصطراع السلطوي بين تلك الفصائل، ولم تدرك الولايات المتحدة أنه كان لدى قادة طالبان أجندتهم الإسلامية الخفية إلا بعد أن استولت الحركة على السلطة بالفعل.
في العراق نفذت الولايات المتحدة غزوها بالتحالف مع التنظيم الشيعي الرئيس «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» باعتبار أنه ألد أعداء نظام صدام حسين البعثي السني، لتدرك واشنطن لاحقاً أن وجودها العسكري على الأراضي العراقية بات رهينة للميليشيات الشيعية،
بحيث إن إدارة بوش لا تستطيع أن تقرر الآن أن يبقى وجودها العسكري على وضعه الراهن أم «تترك مصير العراق لإيران».ولا يسعنا إلا أن نتابع فصول المعركة الانتخابية الأميركية لنعرف في أي اتجاه تسير، لنعرف أيضاً ما سوف يستقر عليه توجه التغيير.