دعوة مسؤول الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، جون دوجارد، لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين، بسبب ارتكابهم جريمة حرب في غزة؛ هي صرخة حق، ولو متأخرة. أهميتها وفي هذا الوقت، ليست فقط بما تمثله من شجاعة أدبية، كسرت حواجز الخوف والصمت؛ بل أيضاً لأنها صادرة عن جهة حيادية دولية قررت رفع الصوت لوضع النقاط على الحروف.
النقاط التي تضع إسرائيل ـ وكان يجب أن تفعل من زمان ـ في الخانة التي تليق بمن يرتكب مثل هذه الجريمة ووجوب محاكمته بهذه التهمة؛ بما هي عدوان فاقع على حقوق الإنسان وانتهاك لكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.
وبقدر ما هي صرخة بوجه إسرائيل؛ هي أيضاً صيحة بوجه المجتمع الدولي؛ الذي تغاضى طويلاً وأدار الطرف عن ممارسات إسرائيل وعدوانيتها المزمنة. عدم لجمها؛ أو على الأقل عدم وضع انفلاتها تحت المجهر؛ أدّى إلى تركها تتصرف من دون قيود وبالتالي؛ من دون كلفة.
تماهي واشنطن معها فاقم؛ هو الآخر، السكوت على انفلاتها المتمادي ونهجها العسكري؛ في التعامل مع المناطق الفلسطينية، بل هو حفزها وشجعها على عدم التزحزح عن هذا الخط. الحصيلة هي ما يجري اليوم من عمليات يومية
وتشديد الحصار إلى حدود خنق القطاع، الذي بات مهدداً بكوارث؛ صحية ومعيشية واقتصادية؛ فضلاً عن النزف اليومي في صفوف الفلسطينيين؛ جراء الاجتياحات والمطاردات؛ بكل أنواع القصف والأسلحة والإغلاق.
بيد أن المؤلم أكثر هو أنه فيما بدأت تطلع الإدانات لإسرائيل، وبهذه الصورة والجرأة تعود الساحة الفلسطينية إلى نغمة التوتير والتأزيم وتبادل الاتهامات؛ وبما يصب في تعميق فجوة التباعد بين «فتح» و«حماس».
مع بداية التصعيد الإسرائيلي الأخير وغير المسبوق في غزة، منذ رحيل المستوطنات عنها؛ لاحت في أفق الأزمة بوادر واعدة؛ سواء في لغة الخطاب أو في أجواء العلاقة. صدر عن الجانبين كلام انطوى على إشارات إيجابية متبادلة، لكنه لم يصمد.
وسرعان ما عادت لغة التراشق إلى الساحة، ومعها عاد التوتر والتباعد إلى درجاته السابقة، وربما إلى أكثر. وطبعاً واصلت إسرائيل عملياتها، التي لا تتناسب وبما لا يقاس، مع ما تسوقه من ذرائع، لتبرير انقضاضها على غزة.
وكأن الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية عازمة وبإصرار؛ ليس فقط على تقديم الخدمات لإسرائيل، بل أيضاً على توفير ما يحجب جرائمها ويخفف من وقعها. خاصة بالنسبة للمجتمع الدولي ومنظماته. المسؤول الدولي كان عنده ما يكفي من الجرأة لتوجيه إصبع الاتهام إلى مرتكب جريمة حرب ضد غزة والمطالبة بمحاكمته.
وهكذا فعل زميله المسؤول عن الشؤون الإنسانية، في الأمم المتحدة. شجاعتهما فاقت بكثير، مواقف وردود فعل دول؛ التي إن قالت شيئاً عن عدوانية إسرائيل، فإنه لا يتعدى العتب الخجول، كما هو الحال مع الولايات المتحدة الأميركية.
الآن مطلوب من الأطراف الفلسطينية التحلي بشجاعة لا تقل عن تلك التي أبداها هذان المسؤولان، شجاعة مراجعة المواقف وإعادة النظر بكل الذي حصل وبما يكفل العودة إلى الصواب الذي لا تعريف له سوى الرجوع إلى بيت الوحدة الوطنية. وحدها الحصانة. وهم وحدهم المسؤولون.
