(بقدر ما تقتل وتحاصر وتشرد وتجوع وتقضم الأرض بقدر ما ترتفع شعبيتك)، هذه هي اللغة والنهج السياسي القائم في الكيان الإسرائيلي منذ اغتصاب فلسطين وقيامه على أرضها، بدليل أن كل المبادرات والاتفاقيات والمؤتمرات التي عقدت بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ اتفاقيات أوسلو وحتى يومنا هذا، لم تردع احتلالاً أو توقف عدوانًا أو توفر أمانًا واستقرارًا، بل على العكس مشاهد القتل والتدمير والتهجير والتجويع على أشدها تتوالى، وعلى مرأى ومسمع كل من يذرعون المنطقة جيئةً وذهابًا، منصِّبِين أنفسهم رعاة سلام، ولا همَّ أو هدف لهم من جولاتهم ـ كما يدعون ـ إلا رؤية الفلسطينيين والإسرائيليين يعيشون جنبًا إلى جنب في ظل دولة لكل منهما توفر لهم أسباب الاستقرار والعيش الرغيد.

ولا يمسي يوم أو يصبح إلا والأحياء الفلسطينية تغرورق بدماء الشهداء ويعلو صوت نواح الثكالى في كل بيت، جراء الآلة الإسرائيلية الغاشمة التي لا تفرق بين رجل وامرأة وبين طفل وشيخ، وهكذا تمضي الأيام دون بادرة حقيقية لرؤية ضوء في نهاية النفق يخرج الشعب الفلسطيني المكلوم من محنته، وتضع موازين الحق في نصابها.

واليوم من يمسك زمام السلطة في إسرائيل وعلى رأسهم رئيس الوزراء ايهود أولمرت ووزير الحرب ايهود باراك يمعنون في عمليات القتل والاغتيال وضرب حصار ظالم على شعب أعزل كفلت له كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية حقه في المقاومة واسترجاع حقوقه المغتصبة.

على أن هذا النهج ـ أي نهج الإمعان في القتل والتهجير والتجويع ـ يتم اعتماده كلما اقترب الكيان الإسرائيلي من إجراء انتخابات تشريعية أو حانت لحظة استحقاق سياسي أو لحظة مساءلة أو حصل تدنٍّ في شعبية زعيم الحزب الذي يمسك بزمام السلطة، وما يدفع أولمرت وباراك إلى اتباع هذا النهج في غزة والضفة هو أن هناك استحقاقات مقبلة تواجه كليهما، وكل منهما يرغب في رفع شعبية نفسه وحزبه، فأيهود أولمرت بالإضافة إلى انسحاب حزب (إسرائيل بيتنا) بقيادة أفغيدور ليبرمان من حكومته بسبب ما يسمى مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين، يواجه عما قريب نتائج تقرير (لجنة فينوجراد) التي تشير التحليلات إلى أنه قد يفقد منصبه بمطالبته بالاستقاله أو إعلان انتخابات مبكرة، ولا ريب يسعى باراك هو الآخر إلى خلافة حزبه (العمل) لحزب أولمرت (كديما) في مواجهة المعارض بنيامين نتنياهو زعيم حزب (الليكود)، ومن بين الأسباب التي تدفع أيضًا أولمرت وباراك لارتكاب هذا العنف المفرط، الموقف العربي الواضح في عدم الرغبة في الانسياق وراء التوجهات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة بتشكيل جبهة موحدة ضد إيران والعمل على احتوائها، فضلاً عن ممارسة نوع من الضغط على المقاومة الفلسطينية لإجبارها على الخنوع تحت وابل الضربات للإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليط، والتسليم بالشروط التي تضعها إسرائيل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي سنح لبروز هذا التصعيد الإسرائيلي العدواني وأعطاه الفرصة ليكون بهذا الشكل البربري؟

حتما، إن الوضع المتردي وحالة الانفصام في العلاقة التي تشهدها الساحة الفلسطينية بين أبناء الشعب الواحد، فتحت المجال واسعًا للمشاريع المرسومة لتقسيم المنطقة، حيث حالة اللا توافق بين الفلسطينيين أعطت الغذاء المناسب لتسمين ما يسمى (الفوضى الخلاقة)، ووفرت الوقت والجهد لمستنسخي هذا الجنين المسخ في المنطقة.

إن تأصيل مشاعر الانتماء الوطني والصيرورة نحو خدمة هدف واحد وهو كنس الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية وتوحيد الكلمة والصف، والتمسك بمشروع التحرر الوطني، كفيل بلجم مدافع الاحتلال والحد من مجازره وإخراس الأصوات النشاز التي لا تريد الخير لأبناء المنطقة، ولجلب التعاطف والمساندة من الآخرين، ولما وصل الحال كما هو الآن في غزة؛ الشهداء يتساقطون بالعشرات، وأهلها يلتحفون سماء ملبدة بأدخنة المدافع والرشاشات وقاذفات القنابل، ويهتدون بنور النجوم ليلاً بعد أن قطع عنهم الوقود، ناهيك عن انعدام لقمة تسد الأفواه الجائعة بعد الحصار الخانق.