كالعادة تحاول إسرائيل الهروب إلي الأمام‏,‏ ونسف كل فرص الدخول في مفاوضات سلام جادة مع الفلسطينيين‏,‏ والتهرب من التزاماتها المتفق عليها في مؤتمر أنابوليس‏,‏ بشن حرب وحشية كاملة علي قطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية معظم ضحاياها من المدنيين والنساء والأطفال‏.‏

وفي ساعات معدودة عزلت إسرائيل قطاع غزة عن العالم وأغلقت جميع المعابر المرتبطة به‏,‏ بالإضافة إلي الحصار الاقتصادي الذي تفرضه عليه منذ فترة طويلة‏,‏ وخفض إمدادات الوقود‏,‏ مما يعني تلقائيا قطع الكهرباء‏,‏ ليتحول القطاع إلي مأساة إنسانية كبري يفتقد فيها الأهالي الخبز والسلع الغذائية‏,‏ والمواد الحيوية‏,‏ والأدوية‏,‏ وتعود بالمستشفيات إلي العصور الوسطي‏,‏ وتطارد الطائرات الإسرائيلية المدنيين في الشوارع والسيارات‏,‏ وحتي العربات التي تجرها الدواب بحثا عن ضحايا جدد ليزيد نهر الدم الفلسطيني‏.‏

لقد أتاح الجميع لمؤتمر أنابوليس الفرصة ليكون بداية جديدة لعودة المفاوضات الجادة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية‏,‏ وينهي سبع سنوات عجاف تجمدت فيها عملية السلام‏,‏ وأظهرت الدول العربية التزاما جماعيا واضحا بذلك‏,‏ لكن إسرائيل سعت منذ اللحظة الأولي إلي التهرب من أي التزامات تعيدها إلي طريق السلام‏,‏ وقبيل عودة المشاركين في المؤتمر إلي بلادهم‏,‏ كان إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي يشكك في إمكان التوصل إلي اتفاق مع الفلسطينيين قبل نهاية عام‏2008‏ برغم أن هذا الاتفاق هو هدف المؤتمر الرئيسي‏.‏

وفشلت اللقاءات بين أولمرت ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية‏,‏ والمفاوضات التي أعقبت المؤتمر‏,‏ بسبب تعنت إسرائيل المستمر وإصرارها علي المضي قدما في بناء المستعمرات‏,‏ خاصة في القدس‏,‏ ومواصلة سياسة تضييع الوقت مع العمل علي تغيير الواقع الديمجرافي علي الأرض لإيجاد عقبات دائمة أمام المفاوض الفلسطيني‏,‏ واستغلال الخلافات بين حركتي فتح وحماس في فرض مزيد من العقوبات علي قطاع غزة‏,‏ ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليه‏.‏

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد‏,‏ بل تعداه إلي محاولة الضغط علي مصر‏,‏ سواء باستخدام المساعدات الأمريكية أو بتصريحات بعض المسئولين الإسرائيليين التي تخطت الحدود‏,‏ في محاولة يائسة لمنع مصر من القيام بدورها القومي في مساندة الحق الفلسطيني ودفع عملية السلام‏,‏ وكان الرد المصري قويا وواضحا وكاشفا لحقيقة كل هذه المحاولات الإسرائيلية‏,‏ ولم تستوعب إسرائيل الدرس‏.‏

إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سيعقد جلسة طارئة يوم الأربعاء المقبل لبحث المجازر الإسرائيلية في القطاع‏,‏ وذلك بناء علي طلب دول عربية وإسلامية‏,‏ وهي ثالث جلسة تعقد بشأن القضية الفلسطينية منذ تشكيل المجلس الذي يضم‏47‏ دولة في يونيو عام‏2006,‏ وهي فرصة سانحة أمام الدول العربية والإسلامية لفضح ممارسات وانتهاكات الجيش الإسرائيلي‏,‏ ليعرف المجتمع الدولي حقيقة المواقف الإسرائيلية‏,‏ ولابد أيضا من دعوة اللجنة الرباعية الدولية إلي اجتماع عاجل لوضعها أمام مسئولياتها إزاء تلك الممارسات الإجرامية‏,‏ وأن تبادر الجامعة العربية إلي إعادة تحريك القضية الفلسطينية دوليا عبر مجلس الأمن وجميع المنظمات الدولية اأأخري‏,‏ وصولا إلي ضغط دولي مكثف يجبر الحكومة الإسرائيلية علي التوقف عن العدوان علي الشعب الفلسطيني‏,‏ والعودة إلي المفاوضات الجادة‏.‏

وفي كل الأحوال ستبقي الوحدة الوطنية الفلسطينية هي حائط الصد الأقوي في مواجهة الصلف الإسرائيلي‏,‏ ويجب أن يكون ما يجري في غزة ونابلس الآن حافزا قويا لقيادات فتح وحماس وجميع الفصائل الفلسطينية لتسوية خلافاتها فورا‏,‏ ومد الأيدي ورص الصفوف دفاعا عن الشعب الفلسطيني‏.‏