«بعد أربعين عاماً سينضب النفط، وبعد نحو قرن سينضب الغاز والطاقة البديلة هي الطاقة النووية ولهذه الأسباب أنا هنا لأعرض عليكم أفضل ما عندنا من تكنولوجيا نووية للبيع ....»!

كان هذا الكلام حتى الأمس القريب نوعاً من «الهذيان» والخطاب الغوغائي والملغم بأهداف مشبوهة وغير المسؤول أمام حياة شعوب دول المنطقة والذي من الممكن أن يعرض حياتها إلى الخطر الداهم على غرار قضية تشرنوبل، لأنه كان يصدر عن الجارة المسلمة إيران التي «تجرأت» على انتزاع هذه التكنولوجيا وتحصيلها بطريقة ذاتية ورغم أنف الدول الكبرى المحتكرة للطاقة النووية السلمية كما الحربية بالطبع !

وقد كتبت عشرات المقالات التي تسخر من هذا الخطاب وهذا التبرير العلمي عندما كانت تقول به الجارة المسلمة إيران، واحتفظ بملف كبير من هذا النوع من المقالات لدي ومعظمها للأسف الشديد كان بلسان عربي وبأقلام بعض المنبهرين من نخب الجوار الإيراني،

لا بل ان احدهم ممن ينتسب إلى دائرة المنظرين للديمقراطية الأميركية المجوقلة والتي ينبغي لها أن تنتقل عنوة إلى المنطقة ذهب إلى ابعد من ذلك عندما كتب بالحرف الواحد «انه كما كان سعيداً بقصف مفاعل تموز العراقي فإنه سيكون أكثر سروراً بقصف مفاعل بوشهر الذري...!»

أما وانه يأتي اليوم على لسان السيد ساركوزي رئيس فرنسا والبائع الماهر المتجول لهذه التكنولوجيا «الخطرة على البيئة..! وغير الضرورية أبداً للبلدان النفطية... لاسيما إذا كانت من النوع الإيراني». فإنها تصبح برداً وسلاماً، ويفرش لصاحبها السجاد الأحمر وتفتح له الأسواق وتستحضر سوق عكاظ للتباري في كسب وده.

طبعاً وحتى تكتمل نكهة الكذب والخداع والتضليل واللغط المتعمد والمقصود بين الطاقة النووية السلمية التي تسعى إليها الجارة المسلمة والمسالمة إيران وبين مزاعم أسلحة الدمار الشامل العراقية سابقاً والإيرانية الحالية !

وحتى تمر صفقات التسلح المخبأة تحت عباءة التكنولوجيا النووية للبائع الفرنسي المتجول يضيف ساركوزي:« لقد قلنا لإيران تخلي عن برنامج التسلح النووي وستحصلين على الطاقة النووية السلمية.» حتى أولبرايت كانت أرحم من بعض المخدوعين من الجيران على إيران المسلمة ..

قبل أيام فقط كانت تقول لبوش:« إن آكل التمر لا يحق له منعه عن الآخرين... إذ كيف يمكننا أن نمنع العالم عن مجرد تحصيل المعرفة النووية فيما نحن نمتلك ترسانات من الأسلحة النووية» فالدول الكبرى هذه كما هو معروف تخزن آلاف القنابل النووية ومدللتها إسرائيل تملك المئات منها....

ورغم ذلك كله تبقى إيران هي الخطر ! وأي خطر ؟! انه الخطر الداهم على الأمن والسلم الدوليين.. لماذا؟! لأنها حصلت على المعرفة والتكنولوجيا النووية بآلية ذاتية وليس عبر قنوات الدول الكبرى المحتكرة لكل شيء....

وإذا كان ساركوزي بائعاً يبحث عن مبررات لانجاز صفقات الستين مليار دولار المعلنة.. والتي أراد تغليفها ببعض الكلام المعسول عن لبنان الذي يحن إلى أيام هيمنته التي أطاح بها أصدقاؤه الأميركيون بعدما أصبحوا سادة البحار والمضائق والخلجان في لحظة غفلة قياصرة أوروبا العجوز فيما هم اليوم يقدمون له جزءاً من «الكعكة» الاستعمارية الشرق أوسطية لغاية في نفس يعقوب..

فإن بوش كان واضحاً وشفافاً عندما تحاشى التركيز على الملف النووي الإيراني في جولة نهاية العهد التضليلية ودخل في صلب الموضوع مباشرة بالقول ان إيران تشكل الخطر الداهم على الأمن والسلم الدوليين!

لماذا؟ فقط لأنها تدعم حركات التحرر والمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وتشجع هذه الحركات «الإرهابية» برأيه طبعاً على التمرد على المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير والذي لم نر منه حتى الآن سوى دعمه اللا محدود لمشروع الدولة العنصرية الصهيونية

وإعادة إنتاج وعد بلفور بطبعة جديدة البتة مما يجعل مواجهتها ضرورة حتمية لكل من يريد الانخراط في المشروع الحقيقي لمكافحة الإرهاب والذي بات متبلوراً بشكل لا يقبل التأويل بدولة المؤسسات الإرهابية إسرائيل وليس إيران الجارة المسلمة والمسالمة كما يحلو للإسرائيليين وأسيادهم أن يروجوا هذه الأيام.

ها قد حانت ساعة الحقيقة إذن.. لقد جاء دور عرض فيلم «الإيران فوبيا» الإسرائيلي بامتياز هذه المرة بعد فيلم «الإسلام فوبيا» الذي تابعناه عقب أحداث سبتمبر، لتكتمل بذلك لوحة الخداع الصهيونية الشاملة التي نأمل أن لا تمر هذه المرة على جيران إيران المسلمة كما مرت على جيران العراق بالأمس.

نعم لابد من التوقف ملياً عند العديد من التعليقات والكتابات الحكيمة والمتزنة والمسؤولة التي عبرت عنها أقلام تمثل العقل الجمعي العربي المعتدل عقب تصريحات الرئيس بوش وتحريضه غير المسؤول ضد الجارة المسلمة إيران واعتبارها رداً واضحاً وشفافاً من الرأي العام العربي الذي شبع حروباً عبثية وشبع تمزيقاً لهويات المنطقة المتآخية،

لكن ذلك بنظر الكثيرين ليس كافياً أن يمنع حروباً جديدة في المنطقة فالمطلوب هو أن يسمع طلاب الحروب كلمة «لا» للأجنبي تكون مسموعة عالية لا خافتة أولاً، وبأن قضايا المنطقة بحلوها ومرها هي من مسؤوليات أهلها ثانياً وهذا ما بدأنا نسمعه هنا وهناك من قبل بعض المسؤولين

وهي خطوة ايجابية تكتب مرة أخرى للعقل الجمعي العربي المتعادل والمتوازن وأما ثالثاً فإن المطلوب جدياً ومن خلال الممارسة العملية وليس الكلام فقط هو الإعداد لفتح حوار جدي وشامل بين إيران ودول الجوار العربي بخاصة حول كل ما يعني الجانبين.

وفي هذا الإطار سمعنا من جديد كلاماً يبعث على التفاؤل وان همساً لكنه جدي على ما يبدو دار مؤخراً بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره الكويتي خلال زيارة الأخير لإيران عن ضرورة تفعيل هذا الحوار والذي قالا إنهما سبق أن تحدثا حوله منذ مدة مع السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية المشغول هذه الأيام بمعجزة إيجاد مخرج للأزمة اللبنانية المستفحلة!

وهنا مرة أخرى لابد من مصارحة يسمعها الجانبان العربي والإيراني بأن من يفكر بأن بمقدوره لوحده أن يعيش مستقراً وآمناً بعيداً عن امن واستقرار جيرانه أو انه قادر على إيجاد أو فرض الحلول لأي من قضايا المنطقة دون تعاون العرب والإيرانيين تحيداً ودون عودة التضامن العربي والإسلامي في الدائرة الأوسع

وبعيداً عن فرض التطبيع مع الكيان العنصري التوسعي الإسرائيلي بأي شكل من أشكاله في الدائرة الأكثر اتساعاً فهو واهم إلى ابعد الحدود ولن يجني ولن يحصد إلا المزيد من خيبات الأمل المتكررة ، أو كما يقول المثل العربي الشهير:«من جرب المجرب عقله مخرب».

كاتب إيراني