تطل أوروبا على عام 2008 وهي تبدو بصحّة جيدة. وعلى الأقل بصحة أفضل من الأعوام السابقة التي أعقبت رفض الفرنسيين في شهر مايو 2005 في استفتاء عام، وبعدهم مباشرة الهولنديين، مشروع الاتفاقية الأوروبية (الدستور الأوروبي).
تلك الأزمة الدستورية وجدت المخرج منها في اتفاق برشلونة يوم 19 أكتوبر 2007 عندما وقّع قادة بلدان أوروبا الـ 27 «الاتفاقية الدستورية المبسّطة» التي كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي «عرّابها» الرئيسي. لكن لا شك أنه لا تزال هناك معارك «جانبية»، وإنما جديّة تنتظر الأوروبيين حول توزيع المسؤوليات والأدوار الجديدة.
ستتولى سلوفينيا الصغيرة ذات المليوني نسمة وإحدى الدول حديثة العضوية في الاتحاد الأوروبي رئاسته لفترة النصف الأول من عام 2008، ثم ستترأسه فرنسا في النصف الثاني من السنة أي اعتباراً من مطلع شهر يوليو المقبل. لن تكون مهمّة الأولى سهلة بسبب نقص الخبرة أوّلا
وثانيا بسبب أزمة كوسوفو التي تعرف جيدا تعقيداتها بحكم علاقتها العضوية في إطار يوغسلافيا السابقة وإدراكها أن «معضلة» استقلالها قد تكون أبرز مصادر التوتر في أوروبا. سوف تحاول سلوفينيا بالتأكيد القيام بوساطتها بين الأطراف المتنازعة، وهذا ما كانت قد فعلته أصلا. ولكن دون المبالغة في آمال الوصول إلى حلول.
ولن تكون مهمّة الثانية سهلة أيضا بالقياس إلى الطموحات التي يطرحها الرئيس الفرنسي ومشاريعه وفي مقدمتها الاتحاد المتوسطي الذي يواجه معارضة حقيقية من بعض الأوروبيين وخاصة الشريك الألماني القوي. وكان الرئيس ساركوزي قد تحدّث أثناء لقاء برشلونة الأوروبي مؤخّرا عن «المحتوى الجديد للحلم الأوروبي». وعرّج إلى التأكيد على «حتمية» استقلال كوسوفو.
كوسوفو تنوي، ورجال سياستها يؤكدّون، أنّها ماضية بطريق الإعلان عن استقلالها عن صربيا. الاستقلال يعني أفق الانضمام إلى الأمم المتحدة مثل جميع الدول المستقلّة ذات السيادة. ويعني أيضا وجود مرشح جديد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ليس من السهل بالتأكيد وقوف الدول الأوروبية «الديمقراطية» ضد حق تقرير المصير لشعب كوسوفو، بل إن بعض هذه الدول ستتحمّس لذلك كون أن الأمر يتعلّق بالانسلاخ عن صربيا الحليفة لروسيا. بالطبع يتضاءل مثل هذا الحماس في مساندة حق تقرير المصير عندما يتعلق الأمر بـ «الأصدقاء».
يبقى القول إن الحالة الكوسوفية لها خصوصياتها بالنسبة لأوروبا. ذلك أن استقلال كوسوفو قد يكون ثمنه تشجيع قيام أفق محمّل بالتوتر وعدم الاستقرار في القارّة. وقد يكون من المهم العودة في هذا السياق إلى العديد من المؤتمرات والقمم التي رافقت وأعقبت انهيار جدار برلين وما تلاه من انهيار المعسكر الاشتراكي برمّته.
هذه المؤتمرات والقمم أكّدت كلّها على غرار «ميثاق باريس من أجل أوروبا جديدة» الذي جرى تبنّيه إثر قمة بين روسيا والاتحاد الأوروبي ما بين 19 و21 نوفمبر وأقرّ أن «منظومة الغرب ـ الشرق» فد غيّرت من طبيعتها.
ثمّ تمّ التركيز على التعاون والتضامن وخاصة على احترام الحدود القائمة وعدم المساس بها إلا على قاعدة القبول التام من قبل الأطراف المعنيّة. وهنا «يصل المنشار إلى العقدة» فيما يتعلّق باستقلال كوسوفو.
على خلاف انقسام تشيكوسلوفاكيا السابقة إلى دولتين مستقلتين ذات سيادة، تشيكيا وسلوفاكيا، برضا الطرفين والمحافظة على حسن الجوار، وعلى خلاف استقلال الجبل الأسود عن صربيا برضاها، إن استقلال كوسوفو يثير خلافات وزوابع.
ذلك أن صربيا ترفض بأي شكل من الأشكال التخلّي عن «الإقليم» الذي تعتبره «جزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني». وبالتالي ترى في استقلال كوسوفو تغييرا لخارطة المنطقة بالقوّة. وعلى هذا الأساس تطالب الأوروبيين والمجموعة الدولية بـ «احترام الحدود»
وبالالتزام بالمبادئ التي تحكم تنظيم أوروبا ما بعد انهيار الشيوعية ونهاية الحرب الباردة وكان البرلمان الصربي قد اقترع بتاريخ 26 ديسمبر الماضي على قرار أكّد فيه رفضه القاطع لاستقلال كوسوفو. وربط البرلمانيون انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي وإلى الحلف الأطلسي بالمكانة القانونية لكوسوفو.
من الواضح أن ورقة انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي تشكل إحدى الأوراق التي يلوّح بها الاتحاد إلى صربيا لدفعها إلى مواقف أكثر «تفهّما» حيال ملف كوسوفو. ويلعبها الصربيون أيضاً كـ «ورقة مساومة»، مع إدراكهم أن بلادهم لن تستطيع الاحتفاظ بكوسوفو ولا تحقيق ازدهارها الاقتصادي المأمول إذا تعرّضت لحرب أو للعزلة على المسرح الدولي. هذا لم يمنع الرئيس الصربي من التأكيد أن جيشه مستعد لحماية صرب كوسوفو.
وإذا كان الأوروبيون، والفرنسيون على رأسهم، يرددون أن كوسوفو قضية أوروبية «داخلية» وأن حلّها لا يعود لا للروس ولا للأميركيين وإنما للأوروبيين، ولهم وحدهم، فإن الواقع يؤكد أن لهذه القضية تداخلاتها الدولية المعقّدة ولها دور مركزي في تحديد توجهات السياسة الخارجية الأوروبية كلّها.
إذ لا يخفى على أي مهتم أن الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وبالطبع، الاتحاد الأوروبي «يشتغلون» منذ فترة طويلة على ملف كوسوفو. ونظراً لعدم قدرة أوروبا على لعب أي دور حاسم في نزاعات أخرى، هذا إذا لم تكن قد أظهرت في الواقع عجزها، خاصة في الشرق الأوسط والنزاعات في البلقان،
فإن ملف كوسوفو قد يكون الملف السياسي الوحيد الذي يمكن لصوت الاتحاد الأوروبي أن يكون فيه على قدم المساواة مع كل من صوتي واشنطن وموسكو. مشكلة الأوروبيين أنهم ليسوا على اتفاق حول استقلال كوسوفو.
هذا رغم الاتفاق مؤخراً على إرسال «قوة مدنية» إلى المنطقة. صحيح أن غالبية البلدان الأوروبية تؤيد استقلال كوسوفو، إلاّ أن بلاداً مثل اسبانيا ورومانيا وقبرص وسلوفاكيا تخشى من «العدوى» بسبب وجود حركات قومية فيها لها مطالبها في تأكيد هويتها.
موسكو تعارض أيضاً «لأسباب أخرى» استقلال كوسوفو وقد كانت على طول الخط في صف الدفاع مع الموقف الصربي ولا تزال. أمّا واشنطن فهي مع استقلال كوسوفو لأسباب تتعلّق بإستراتيجيتها في المنطقة وربما في أفق توسيع مجال حضورها، صاروخياً أو غيره.
هكذا يجد الاتحاد الأوروبي نفسه بين «نارين». ورغم الانحياز «العاطفي» باتجاه واشنطن فإن العلاقة مع موسكو لها حساباتها الإستراتيجية التي لا يستهان بها. ثم إن النهج السياسي الروسي للفترة القادمة واضح و«مقروء» ولن تغيّر فيه الانتخابات الرئاسية في شهر مارس المقبل الشيء الكثير.
الأمر ليس كذلك بالنسبة للسياسة الأميركية التي قد تتغير جوهريا بعد الانتخابات الرئاسية في الخريف القادم. عام 2008 هو عام كوسوفو في أوروبا؛ وربما عام أوروبا في العالم.
كاتب سوري ـ باريس