حمل غلاف مجلة العربي التي تصدر في الكويت في عدد ديسمبر الفائت صورة لامرأة يبدو من ملامحها أنها في العقد السادس من عمرها وهي تحمل العدد الشهير من مجلة العربي وهو العدد الأول الذي صدر قبل نصف قرن تقريباً وبالتحديد في ديسمبر من العام 1958.

ويظهر على غلاف هذا العدد فتاة في ريعان الصبا وهي تمسك بلحاً أحمر يتدلى من عذق (عنقود) نخلة. حينما نظرت إلى الصورة وأنا أحضر ندوة نظمتها مجلة العربي هذه الأيام، بمناسبة يوبيلها الذهبي، لم يدر بخلدي أن السيدة الوقور هذه هي نفس تلك الصبية التي تصدرت غلاف باكورة مجلة العربي، والتي أصبحت جدة هذه الأيام واسمها عواطف العيسى وهي كويتية من عائلة مرموقة.

وليس الأمر غريباً أن تظهر امرأة من الجزيرة العربية ومن الكويت بالذات هذه الأيام وتتصدر أغلفة المجلات أو تأخذ حيزاً بارزاً في الصحف أو حتى تظهر على الملأ من على شاشة التلفزيون، أما قبل خمسين عاماً فكان الأمر مختلفاً كل الاختلاف، إذ لم تكن إلى الآن قد ظهرت المرأة الكويتية إلى العلن، صحيح أن التعليم الحديث للبنات قد بدأ منذ عقدين من ذلك التاريخ وتحديداً في العام 1936 ،

وصحيح أيضاً أن الإقبال قد عم بنات الأسر التجارية ذات الوعي وانحصر فيها على وجه التحديد، إلا أن تصدر صورة فتاة كويتية لمطبوعة يراها القاصي والداني كان شيئاً غريباً حتى بالنسبة لبنات تلك الطبقة. ومع ذلك فقد وافق أبوها بعد أن أقنعه عمها السيد بدر خالد البدر بذلك وكان يشغل وكيل دائرة الإعلام.

ولم يستنكر هذا الفعل كبير العائلة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي وكان فقيه الكويت آنئذ وعلمها الديني البارز. وما لفت القارئ العربي لهذه المجلة من إصداراتها الأولى أنها لم تكن «بوقاً» إعلامياً للحكومة الكويتية ورجالاتها النافذين، ولم تقم يوماً من الأيام «بتلميع» هذا المسئول أو ذاك،

بل كان جل اهتمامها التركيز على خطوات التقدم التي كانت تخطوها الكويت منذئذ دون أن تنسبها لهذا أو ذاك من علية القوم. وما لفت النظر أيضاً أنها اختطت لنفسها طريقاً متميزة لم تحد عنه إلا نادراً وتحت ظروف قاهرة كظرف الاحتلال، وهذا الطريق كان وما زال نأيها عن تناول القضايا السياسية،

والتدخل في شأن هذا البلد العربي أو ذاك، وتركيزها على الجانب الثقافي والعلمي. وبالطبع لم يغب عنها المشروع القومي في استنهاض الأمة العربية وإبراز انجازاتها والدفع بها إلى الأمام وتسليط الضوء على نواحي تقدمها، ومعالجة معوقات تقدمها بالحكمة والموعظة الحسنة. فكانت استطلاعاتها المصورة خير تعبير عن هذا التوجه.

فهذا استطلاع عن السودان (نوفمبر 1961)، وذاك عن تونس العاصمة ومعالم النهضة العمرانية فيها (يناير 1962)، وثالث عن «المحلة الكبرى» في مصر وصناعات النسيج فيها (يوليو 1963)، وآخر عن المكلا عاصمة حضرموت الواقعة في جنوب اليمن (يونيو 1965)،

ورابع عن تفجر النفط في أبوظبي (1968) وغيرها الكثير. وكانت رسالة مجلة العربي في ذاك رسالة قومية في تعريف المواطن العربي بوطنه الكبير الممتد من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. وقد سلطت تلك الاستطلاعات الضوء على نواحي الحياة المختلفة لربوع كثيرة من الوطن العربي

وقدمتها للقارئ بأسلوب شيق وصور خلابة، مطبوعة على ورق مصقول. ولا شك أن هذه الاستطلاعات تسجيل حي لتاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية العربية خاصة لتلك الربوع المهملة من الوطن العربي في حقبة الخمسينات والستينات.

ولعل الإخراج الجيد وتنوع مادتها وطرافة موضوعاتها ورخص أسعارها كان عامل جذب إضافي للقارئ العربي، فكانت تباع في الخليج العربي بروبيتين، وفي مصر بعشرة قروش، وفي المغرب بدرهمين، وتلك أسعار رمزية مقارنة بالمطبوعات الشبيهة مثل National Geographic أو غيرها.

ولذلك قفز عدد النسخ المطبوعة منها من ثلاثين ألفاً إلى ربع مليون نسخة حالياً، وظني أنه لو تم طباعة أعداد إضافية لما لاقت كساداً ولتلقفها القراء بلهفة. وهذا نجاح لأصحاب فكرة إنشاء مثل هذه المطبوعة المدعومة من الدولة وعلى رأسهم السيد بدر خالد البدر - أطال الله في عمره.

والحق أن الكويت قد حظيت في تلك المرحلة بمجموعة من المتنورين القريبين من أصحاب القرار والذين وظفوا أوضاعهم المتميزة وقربهم من أصحاب النفوذ، وظفوها خدمة لأمتهم العربية، فكانوا وراء تلك المشروعات الاقتصادية والثقافية التي كان لها تأثير أبعد بكثير من حدود الكويت الضيقة.

واللافت أن العربي في أعدادها الأولى وعلى وجه الخصوص تحت رئيس تحريرها الدكتور أحمد زكي، أبو الكيمياء العربية الحديثة والعالم الموسوعي الذي ظل يشرف عليها منذ ابتدائها إلى العام 1975 ، اللافت في هذه المرحلة أن غلاف العربي كان يتصدره باستمرار صورة لامرأة عربية من هذا القطر أو ذاك من الأقطار العربية.

ويبدو أن الدكتور أحمد زكي قد آمن بمقولة المفكر الفرنسي شارل فورييه أن تقدم الأمم يقاس بتقدم أوضاع المرأة فيها. فحفلت أغلفة مجلة العربي بنساء عربيات من مختلف الأشكال: مثقفات، ربات بيوت، فلاحات، بدويات وحضريات وغير ذلك.

ولأن مجلة العربي ناشدت القارئ العربي العام فكانت منذ أعدادها الأولى مجلة ثقافية عامة، تحوى مادة متنوعة مثل التاريخ واللغة والانجازات العلمية والطبية، وكان بها ولا زال فضلاً عن استطلاعاتها المميزة، مساهمات أدبية وشعرية وغيرها، إلى جانب مسابقاتها الشهيرة.

ولم يخرج على هذه السنة كبار الكتاب الذين ساهموا فيها ومنهم من ألمع المفكرين العرب والمتخصصين في المجلات العلمية المختلفة، فهؤلاء كتبوا للقارئ العادي بأسلوب سهل وجذاب وبلغة عربية سلسة جعلت من العربي مجلة يستطيع فهمها المتعلم قبل المثقف.

إن العربي شأن باقي المطبوعات الورقية تواجه عصراً عصيباً وهو عصر شاشات الكمبيوتر والنشر الإلكتروني على شبكة الإنترنت، فإذا كانت جريدة النيويورك تايمز الأميركية العريقة تتوقع الاختفاء بصورتها الورقية في غضون الخمسة عشر عاماً،

فإن المطبوعات العربية لا شك أنها ستواجه نفس المشكلة ولو بصورة أخف وبمدة أطول، وبالتالي، فإذا كانت مجلة العربي في عيدها الخمسين تفكر في البقاء في ساحة النشر ـ وهي لا بد أن تبقى لنشر رسالتها الثقافية ـ فلا بد لها أن تفكر في قرائها الجدد الذين باتوا مدمنين على القراءة من خلال الشاشة وليس من خلال الصفحات الورقية المطبوعة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com