أكد العرب أكثر من مرة أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في الشرق، وأن حلا عادلا لها هو مفتاح حل جميع القضايا ولصنع السلام وإبعاد أشباح الحروب في المنطقة، ولا سلام ولا أمن ولا استقرار يمكن أن يتحقق للاحتلال دون إعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي والفلسطيني وفى مقدمتها إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعروبة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية.
ولن يكون هناك حل لقضية القدس إلا بحل عادل على أساس قرارات الشرعية الدولية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها عام 67 لعدم شرعية ضم أراضي الغير بالقوة، أو تطبيقاً لمبادرة السلام العربية التي تمثل أدنى حدود التنازلات الممكنة العربية طريقا لصنع السلام المفروض، وليس الإسرائيلي الإرهابي المفروض أو الأميركي المتواطئ المعروض.
وكل دروس الماضي ومشاهد الحاضر تقول لنا إن الحق سيظل دائما فوق القوة، وأن القوة العسكرية مهما بلغ جبروتها لن تستطيع القضاء على استمرار مقاومة الشعوب لإرهاب المحتلين، وأن الفيصل في النهاية ليس لمن بيده القوة ولكن لمن لديه إرادة الحق وإرادة الحرية، وإلا أين ذهبت الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، هل استطاعت قهر إرادة الشعوب الصغيرة في نيل حريتها وتحقيق استقلالها؟
كم حربا استطاعت القوى الاستعمارية أن تشعلها، لكنها لم تستطع بكل جبروت القوة إطفائها، وكم مرة استطاعت بالقوة والإرهاب أن تحتل أرضاً، لكنها لم تستطع أبدا القضاء على المقاومة الوطنية التي فجرها الاحتلال فيها، وكم استطاعت أن تقتل الآلاف وتشرد الملايين من وطن من الأوطان، لكنها أدركت في النهاية
وبعد ثمن باهظ أن الاحتلال بالقوة مغامرة خاسرة، وأن الرهان على إخماد إرادة الشعوب بالإرهاب رهان فاشل ،مهما عظمت التضحيات ومهما طال الزمن، ومهما تجبر الجبارون بقوتهم العسكرية واعتداءاتهم الإرهابية، ومهما تخاذل المتخاذلون أو تردد المترددون في الانتصار للمظلومين والتصدي للظالمين.
والطريق إلى السلام الحقيقي لا يحتاج أكثر من إرادة حقيقية للسلام سواء لدى الإسرائيليين أو لدى الأميركيين تنهي الاحتلال وتعيد الحقوق الوطنية على أساس قرارات الشرعية الدولية لأصحابها، وهو الأمر الغائب حتى الآن في فلسطين، إنه طريق السلامة الواضح والقصير لمن يريد السلام،
وطريق الندامة الخاسر والطويل لمن يخادع العرب والمسلمين سواء في واشنطن أو في تل أبيب تحت لافتة السلام، وليس بمحاولة إلغاء الشرعية الدولية، وتحكيم المشاريع الأميركية، أو بتكريس الانقسام الوطني الفلسطيني، ومواصلة حروب الحصار والتجويع والترويع اللا إنسانية، واستمرار الاعتداءات الإرهابية، أو بدء التفاوض بلانهاية، وعقد الاجتماعات والمؤتمرات بلا نتيجة للتخدير وليس للتحرير.
لكن علينا في نفس الوقت أن ندرك أنه بغير وحدتنا وطنيا وقوميا وإسلاميا، وبغير قدرتنا على المقاومة واستعدادنا للمواجهة والتضحية وعلى دفع أثمان الحرية والكرامة الوطنية، فلا حصاد لنا من مثل هذه المناورات السياسية الأميركية التي تحتل العراق وأفغانستان أو الصومال أو فلسطين سوى الصور والكلام والوعود والأوهام.
إذا أراد الرئيس الأميركي حقيقة صنع السلام في المنطقة ـ ولا يبدو أنه يريد ـ سواء لتأمين إسرائيل أو حتى لاحتواء إيران، فليثبت مصداقيته أولا بإنهاء احتلاله وبصنع السلام في العراق وأفغانستان، ثم فليضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي العربية إذا كان يستطيع ـ وهو طبعا لا يستطيع ـ لتقوم في الضفة وغزة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس العربية، مع إعلان حق العودة للاجئين والنازحين الفلسطينيين تنفيذاً للقرارات الأممية.
أو فليعلن إقراره بالشرعية الدولية ويكف عن محاولة الهروب منها، أو قبوله بمبادرة السلام العربية ويعمل على تطبيقها.. أو على الأقل يمتنع عن دعم الولايات المتحدة غير المحدود لإسرائيل عسكريا واقتصاديا، وسياسيا بوقف الفيتو الأميركي الأوتوماتيكي كلما كان هناك شبه إجماع دولي على إدانة إسرائيل بما يشجعها على العدوان وعرقلة التوصل إلى السلام.