نتناول اليوم إشكالية واحدة من إشكاليات التاريخ هي المسكوت عنه في التاريخ. عندما تكون للأيديولوجية دور في كتابة التاريخ فإنه من المؤكد تغييب بعض الحقائق التاريخية لأن الأيديولوجية المسيطرة هي التي توجه كتابة التاريخ وبخاصة في الأنظمة الشمولية أو الديكتاتورية. تهميش أو تقزيم أو تغييب دور الآخرين والأحداث التي لا تتفق وأصحاب الأيديولوجية المسيطرة أو السلطة المتسلطة.

المشكلة التي تتعلق بالمسكوت عنه في التاريخ شائكة ومعقدة جزء منها يتعلق كما ذكرنا بتغييب حقائق وأحداث، وجزء منها تهميش أحداث أخرى لكن الأمر لا يقتصر على ذلك بل يصل حد تزوير التاريخ، فإذا كانت القضايا التاريخية نسبية وليست قاطعة في أغلبها فإن باب التأويل ولي عنق بعض الحقائق ممكن لتحقيق مصالح معينة سياسية أو اقتصادية

وإذا كانت السلطة أو البطانة حولها هي التي تكتب الوثائق فإنها تكتب ما هو في مصلحتها وليس بحيادية وموضوعية ذلك يعني أن هناك حقائق في التاريخ قد تم إقصاؤها أو تشويهها، ونسمع بين الحين والآخر بعد تقادم الأيام بأن الحاكم الفلاني قد ظلمه التاريخ أو أعطى التاريخ حاكماً أكثر مما يستحق أو إن تزويراً قد حدث لواقعة معينة وإن وثائق قد اكتشفت صدفة تعيد قراءة وتركيب وقائع تلك الواقعة التاريخية.

إذا كانت هذه الصورة العامة التي يعانيها التاريخ أو يعانيها دارسو التاريخ والباحثون في خفاياه والمنقبون في ركام أحداثه عن حقائق تصل إلى الأجيال المتعاقبة كما حدثت دون إسقاط أو تغييب وهذا من المستحيلات فما هي حال كتابة التاريخ العربي وإذا كان هذا التاريخ قد كتب بصدقية وأمانة فلماذا نسمع بين الحين والآخر دعوات تنادي بإعادة كتابة التاريخ العربي؟ وهل يمكن فعلاً إعادة كتابة التاريخ؟!

فإما أن التاريخ العربي قد تم تزويره ويحتاج إلى إعادة كتابة لكن ما لا يمكن تغييره هو الحدث التاريخي والوثيقة التاريخية، ما نملكه فقط هو البحث عن وثائق جديدة والشك بالوثائق المتوفرة، وهي متهمة حتى تثبت براءتها فقد كتبها حكام لمصالحهم أو أشخاص لمنفعة شخصية أو لدوافع اجتماعية أو سياسية ذاتية وليست موضوعية.

اليوم نحن أمام إشكالية المسكوت عنه في التاريخ العربي، وهذا يتطلب أن نقف على أسباب حدوث ذلك، ثم كيف نعيد للتاريخ اعتباره بكتابة ما لم يكتب؟ لأنه قد يكون إحياء المسكوت عنه في تاريخنا يغير كثيراً مما كتب تاريخياً وبذلك قد نكتشف تزييفاً أو تضليلاً لأجيالنا ونجد أنفسنا أمام مهمة أخرى في نهاية الحساسية والخطورة هي تصحيح المعوّج والخاطئ والمزيف في التاريخ ثم تغيير مفاهيم ومعلومات تاريخية تشربتها أجيال وأجيال،

وهذه ليست مهمة سهلة تحتاج إلى مؤرخين تقاة وتتوفر لديهم صدقية علمية، وإلى إمكانيات مادية، وإلى مناخ حر للبحث في الممنوع والمغيب هل ننتظر حتى يأتي الوقت المناسب الذي تتوفر فيه تلك الإمكانيات والمناخات أم مادمنا اقتنعنا بأن هناك الكثير من وقائع تاريخنا مسكوت عنها أو تم تهميشها وتغييبها لابد من التضحية والمباشرة في دراستها؟

إن الطرح النظري أحياناً كثيرة يرضي النفس ويريحها ولكنه لا يقدم شيئاً ملموساً لأسباب موضوعية نعيشها، فالواقع قد لا يسمح بالبحث في مسكوت عنه في التاريخ لأن القوه المسيطرة لا تريد ذلك لأنه قد يؤثر على نفوذها وسلطتها وهيبتها لأنها لا تعرف ماهية ذلك المسكوت عنه وقد يكون فيه ماهو لصالحها ولكنها تتوقع الأسوأ فتلجأ إلى منع أو إهمال أية فكرة في ذلك الاتجاه.

ويمكن أن نحمل هنا بعض الأسباب التي تكمن وراء وجود المسكوت عنه في تاريخنا:

أولاً: لقد لعبت السلطات دوراً في كتابة التاريخ فهي التي كتبت الوثيقة التاريخية في الغالب أما المقريزي وابن خلدون وغيرهما منهم قلة تمتعوا بالموضوعية وكتبوا بعيداً عن تأثير السلطة.

ثانياً: إن الحالة العامة في العالم العربي في العصور المختلفة لم توفر مناخاً حراً يمكن لأي مؤرخ مستقل أن يكتب التاريخ كما حدث، ثم إن عدداً من المؤرخين من كانوا ولا يزالون ملكيين أكثر من الملك ينافقون في كتاباتهم التاريخية ويغيبون حقائق معنية يعتقدون إن مثل تلك الكتابات تحقق لهم مأرباً أو مصلحة.

ثالثاً: إن أحداثاً معينة لم يدرك الناس ونخبهم السياسية أو المثقفة حين وقوع الحدث أو بعد وقوعه بأنها مهمة يجب تدوين وقائعها، ويكتشف آخرون في مستقبل الأيام بأنها مهمة وليست هناك معلومات دقيقة عنها.

رابعاً: إن بعض من كتبوا التاريخ لا يتمتعون بوعي وثقافة ومنهجية تاريخية فكتبوا الغير مهم وأهملوا المهم، وعرفت بعض الوقائع التاريخية المهمة ليس عن طريق تلك الكتابات ولكن عن طريق مصادر ثانوية ومساندة للتاريخ تكمن في الموروث الشعبي مثل الشعر والفلكلور والآثار.

خامساً: ضعف بعض المهتمين بكتابة التاريخ من الناحية العلمية بكيفية التعامل مع التاريخ من جهة وضعف نفوسهم باستجابتهم للإغراء المالي فيلجأون إلى تأويل الحدث التاريخي وتعديل في أحداثه وإعادة صياغة لا تمت لتلك الأحداث بصلة وإلصاقها لتحقيق هدف تكون نتيجته مصلحة مالية فالمؤرخون أو المتعاملون مع الكتابة التاريخية معلومة وتفسيراً ليسوا جميعاً يتمتعون بالنزاهة والموضوعية،

وقبل أن ننقي الأحداث التاريخية من الزيف والمسكوت عنه والحقيقي علينا أن ننقي المؤرخين أو كتبة التاريخ ولا يكون هذا وذلك إلا بالنقد التاريخي، والشك في الكتابات التاريخية ولا يكون ذلك ممكناً إلا بوجود جيل من المؤرخين تتوفر فيهم الصدقية والموضوعية وهناك بعضهم في عالمنا العربي لكنهم وسط هذا الركام الهائل من الزيف والفساد والتردي وغياب الحريات من الصعب على هكذا نخبة أن تشق طريقها للبحث عن المسكوت عنه في تاريخنا.

ومع التطور العلمي والتكنولوجي الذي نعيشه وثورة المعلومات أصبحت مسألة الوصول إلى المعلومة التاريخية أسهل مما مضى وأسرع وأوفر وقتاً ومالاً، والمسكوت عنه في التاريخ المعاصر تضيق مساحته، ويكاد يكون ذلك صعباً فكل شيء اليوم معروف بالصوت والصورة وما عليك إلا البحث عن الحقيقة وسط الكم الهائل من المعلومات. لكن المشكلة هي حول أحداث الماضي التي لم تشهد تطوراً كالذي نعيشه اليوم،

وتلك الوقائع المسكوت عنها في التاريخ لها تأثير في الحاضر لأنه كما ذكرنا إن جذور المشكلات التي نعيشها اليوم تكمن في الماضي وإذا تم تغييب بعض أحداث الماضي فإنه يصعب فهم وفك طلاسم وقائع الحاضر، والذي يقول نحن أبناء اليوم والذي حدث في الماضي لا شأن لنا به واهم ومخطئ، فكيف تعالج الطائفية السياسية في لبنان أو الصراع الإثني في السودان أو العراق أو غيرها من أقطارنا بدون فهم جذور هذه الأزمات والتي تكمن في الماضي القريب والبعيد؟

إن مسألة المسكوت عنه في تاريخ العرب يحتاج إلى معالجة وإلى نخبة من المؤرخين العرب يتمتعون بالنزاهة والموضوعية ويتصدون لهذه القضية مدركين حجم المعضلات والتضحيات التي سيواجهونها لكنهم سيدخلون التاريخ ولن يكونوا ضمن المسكوت عنه.

كاتب كويتي