زار الأسبوع الماضي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دولة الإمارات العربية المتحدة في أول زيارة له للدولة ضمن جولة أخذته أيضاً إلى كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر. زيارة ساركوزي هي زيارة تاريخية نتيجة لما تم التوصل إليه من خلالها، حيث توصلت دولة الإمارات وفرنسا إلى مجموعة من الاتفاقيات المهمة التي تعتبر بحق تاريخية.
فاتفاق التعاون في مجال الطاقة النووية بين فرنسا والإمارات هو أول اتفاق من نوعه لدولة الإمارات مع طرف دولي آخر، وهو اتفاق يقيم مرحلة جديدة من العلاقات القائمة بين دولة الإمارات وفرنسا؛ الإمارات أرادت الدخول في مجال الاستفادة من القدرات التي تمنحها الطاقة النووية في مختلف المجالات لاسيما مجال توليد الطاقة معتمدة على فرنسا في هذا المجال، فهذا الاتفاق يدخل الإمارات في مرحلة جديدة هي مرحلة استثمار التقنية النووية في مجال التنمية.
كما أن اتفاق إقامة قاعدة عسكرية دائمة لفرنسا في الإمارات هي أيضاً خطوة تاريخية جديدة تكتب لمسيرة العلاقة بين الطرفين، حيث أن هذه القاعدة هي الأولى لفرنسا في منطقة الخليج العربي وهي القاعدة الأجنبية الأولى على أرض دولة الإمارات.
وتحليلنا لهذه الخطوات الإماراتية نحو إقامة شراكة إستراتيجية مع فرنسا يأخذنا إلى النظر إلى طبيعة العلاقة القائمة أساساً بين الإمارات وفرنسا والتي تعتبر هاتين الخطوتين بمثابة تأصيل طبيعي لها. فالعلاقة القائمة بين الإمارات وفرنسا ليست هي علاقة عادية بين بلدين عاديين بل هي علاقة تأخذ منحى التحالف الاستراتيجي،
وهي علاقة لم تكن أيضاً وليدة اليوم بل تم التأسيس لها منذ فترة من الزمن حتى أنها تعود إلى العقد الأول من عمر الدولة الاتحادية، فنذكر أنه قد قام المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان بزيارات إلى فرنسا في عامي 1975 و 1991 وزارها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة حفظه الله، في عام 2006؛
وزار الرؤساء الفرنسيون دولة الإمارات ابتداءً بالرئيس جيسكار ديستان مروراً بفرانسوا ميتران فجاك شيراك واليوم نيكولا ساركوزي. هذه الزيارات المتعددة لرؤساء البلدين هي تعبير واضح عن الأهمية التي توليها مثل تلك القيادات للعلاقة بين بلديهما.
فمن الطبيعي أن تكون تلك الزيارات مبنية على علاقة تفاهم مشترك نحو مجمل القضايا العالمية لاسيما تلك المرتبطة بالمنطقة. فقد شاهدنا مواقف فرنسا القريبة إلى العالم العربي بشكل أكبر عن غيرها من الدول لاسيما تجاه القضية الفلسطينية والوضع في العراق؛ ولو أضفنا ذلك للموقف الفرنسي الداعم لدولة الإمارات في مسألة الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من إيران فإننا نجد أن هناك تقارباً واضحاً بين دولة الإمارات وفرنسا في مواقفهما المختلفة.
ولعلنا نجد في التعاون القائم بين البلدين في المجال العسكري مؤشر واضح آخر على عمق العلاقة بين الطرفين. فالتعاون في المجال العسكري هو بلا شك أكثر المجالات قوة ومتانة في العلاقة القائمة بين الإمارات وفرنسا. فقد بدأ هذا التعاون منذ عام 1973 عندما بدأت الإمارات بشراء السلاح الفرنسي،
وبعدها بقليل تبوأت فرنسا مرتبة الصدارة في قائمة الدول المصدرة للسلاح إلى دولة الإمارات؛ وأبرز أنواع السلاح الفرنسي الذي تتمتع به الترسانة العسكرية الإماراتية هي طائرات الميراج لاسيما تلك الحديثة منها ذو الفئة الخامسة، ودبابات لوكلير.
التعاون الإماراتي الفرنسي لم يتوقف عند شراء السلاح بل تعداه إلى جوانب عسكرية أخرى لعل أبرزها المشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة وتقديم فرنسا لخبراتها التدريبية لأفراد قواتنا المسلحة؛ كما أن مشاركة القوات الإماراتية مع القوات الفرنسية ضمن قوة حفظ السلام الدولية في كوسوفو كان لها بالغ الأثر في إكساب أفراد القوات العسكرية الإماراتية خبرة ميدانية في ساحات التوتر والصراعات.
متانة تلك العلاقة التحالفية بين الطرفين تم التأسيس لها في عام 1995 عندما وقع البلدان على اتفاقية للدفاع والتعاون العسكري والتي التزمت من خلالها فرنسا بالدفاع عن أراضي وسيادة دولة الإمارات في حال تعرضها للعدوان، وهي الاتفاقية الوحيدة من نوعها التي توقعها دولة الإمارات مع دولة أجنبية.
وبالتالي فإن الاتفاق الأخير القاضي بإقامة قاعدة عسكرية للقوات الفرنسية في الإمارات كان هو تحصيل للحاصل من علاقات إستراتيجية وثيقة بين دولة الإمارات وفرنسا في المجالات العسكرية المتعددة التي تم تأسيسها منذ فترة من الزمن في العلاقة بين البلدين.
من جانب آخر ساعدت العلاقات الاقتصادية والثقافية على توطيد العلاقة الإستراتيجية بين الإمارات وفرنسا بشكل أكبر. ففرنسا تعتبر شريكاً اقتصادياً مهماً لدولة الإمارات حيث أن ميزان التبادل التجاري يشير إلى وجود ما قيمته 5. 4 مليارات يورو كحجم للتجارة بين الطرفين؛ وتعمل في الإمارات اليوم أكثر من 550 شركة لديها استثمارات في مختلف القطاعات في الدولة،
وهذا في حد ذاته يشير إلى عمق العلاقة الاقتصادية بين الطرفين. أما من الناحية الثقافية فإن التعاون بين البلدين أثمر عن إنشاء فرع لجامعة السوربون الفرنسية في أبوظبي كما تم التوقيع على اتفاقيه لإنشاء فرع لمتحف اللوفر الفرنسي الشهير في دولة الإمارات
والذي سيتم افتتاحه في عام 2012. اللوفر هو رمز من رموز فرنسا الوطنية وأن تتنازل فرنسا عن مقتنياته كي تعرض في متحف شبيه له في دولة الإمارات ليس إلا مؤشراً على عمق العلاقة القائمة بين البلدين والأهمية التي توليها فرنسا للإمارات.
كما أنه لا يمكن في تحليلنا السياسي للخطوات الإماراتية الساعية لتوطيد العلاقة الإستراتيجية مع فرنسا أن نتجاهل الحالة السائدة في المنطقة الخليجية والتي تغلب عليها حالة عدم اليقين إلى ما سيئول إليه الوضع الأمني فيها وتأثير ذلك على توطيد التحالف الإماراتي-الفرنسي.
فإيران تسعى بذاتها ومن دون رغبة في التعاون الجاد مع المجتمع الدولي في تطوير برنامجها النووي، والولايات المتحدة تستمر في تهديدها ووعيدها لإيران. وهناك برنامج نووي للأغراض السلمية في دولة الإمارات، وإن كنا شخصيا نتحفظ عليه بعض الشيء،
إلا أنه قد يكون من خلال تعامل الإمارات بشفافية وصراحة مع المجتمع الدولي حول مشروعها هذا يمكن أن يشكل نموذجاً يحتذى به في المنطقة لاسيما من قبل إيران. أما عن إنشاء قاعدة عسكرية دائمة للقوات الفرنسية فهو أمر ضروري فرضته قوة العلاقة التحالفية القائمة بين البلدين
كما ذكرنا سالفاً والصورة الغير واضحة للوضع الأمني في المنطقة الخليجية. فطالما أن هناك اتفاقية دفاع وتعاون عسكري بين البلدين فإن إقامة قاعدة عسكرية أمر مهم من أجل تعزيز دور تلك الاتفاقية الموقعة بين البلدين ولتستثمر القدرات الفرنسية في المساعدة على حماية البلاد في حالة اندلاع وضع عدم استقرار في المنطقة الخليجية في أي وقت كان.
فالتحرك الإماراتي نحو فرنسا فرضه عاملان أساسيان هما: ظروف العلاقة المتينة القائمة بين الإمارات وفرنسا و الظروف الجارية في المنطقة
جامعة الإمارات
