هنالك العديد من المؤشرات الدالة على حالة الغليان التي بدأت تشهدها منطقة الخليج العربية وبات التصعيد يشكل تهديدا خطيرا على أمن دوله، ذلك أن الوضع مع إيران يختلف عن سابقه مع العراق، فإيران تمتلك منظومة صاروخية متطورة بمقدورها إصابة أهداف عسكرية أميركية في المنطقة.

هذا إذا أضفنا إلى احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربات محددة للمفاعلات النووية الإيرانية والتي سوف تطرح مشكلة كبيرة في احتمال تسرب إشعاعات نووية، فضلا عن ذلك، بدأت الإدارة الأميركية توجه رسائل لإيران عبر تصريحات الرئيس الأميركي النارية

والتي قال فيها صراحة بأن جميع الخيارات جاهزة للتعاطي مع الملف الإيراني وهي قابلة للتنفيذ في حال ما إذا أصرت إيران على مواصلة برامجها النووية العسكرية، لأنه في هذا الحال، سوف تتغير موازين القوة في منطقة الخليج العربية وحينها تتحول إيران إلى دولة محورية تشرف إشرافا مباشرا على النظام الأمني الإقليمي في منطقة الخليج العربية وليس ذلك في مصلحة دول الخليج العربية ولا الولايات المتحدة الأميركية.

لقد وظفت الإدارة الأميركية أحداث سبتمبر في تمرير مشاريعها الدولية لإعادة ترتيب النظام الدولي الجديد الذي تريد أن تتفرد بإدارته لوحدها عبر البدء في إنهاء الملف الأفغاني وإقامة نظام مواليا لها وتأسيس هناك قواعد عسكرية ثابتة تسمح لها بمراقبة روسيا التي لا تزال دولة تثير قلق الولايات المتحدة الأميركية،

ثم جاء دور العراق والذي لم يكن يشكل تهديدا لدول منطقة الخليج العربية لوحدها بل شكل تهديدا لإسرائيل في المقام الأول، وكان يعني تغيير النظام العراقي إمكانية إقامة قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تساعد الولايات المتحدة الأميركية على احتواء نظام إيران وإمكانية تغييره مستقبلاً،

ويعني تبديل هذا النظام ـ في حسابات الولايات المتحدة الأميركية ـ تغيير المعادلة الراهنة في منطقة الشرق الأوسط أي إبعاد إيران من اللعب بورقة الشيعة في العراق من جهة، وورقة سوريا وحزب الله فيما يتعلق بملف الشرق الأوسط من جهة أخرى.

كما ترى الولايات المتحدة، بعد أن تمكنت من احتواء سوريا بإخراجها من لبنان واحتواء حزب الله عبر القرار 1701، أن الوقت مناسب لها لإنهاء الملف الإيراني ليس فقط عبر تجريده من برامجه النووية، إنما عبر الضغط عليه لتغيير طبيعة نظامه السياسي من خلال إقامة نظام جديد يتأسس

وفق الرؤية الأميركية الجديدة لإقامة نظام دولي جديد، بدليل تم تشكيل وحدات خاصة في وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين لتقويض الحكومة الإيرانية وإضعافها، حتى أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس طالبت

باعتمادات مالية إضافية لدعم الجماعات الإيرانية في المنفى ومساندة المعارضة السياسية داخل إيران إضافة إلى تشكيل مكتب للشؤون الإيرانية تحت إشراف اليزابيث تشيني ابنة ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي. من هنا يظهر ميل الإدارة الأميركية إلى تبني الخيار العسكري الاستباقي

بعد استنفاذ الجهود السياسية والدبلوماسية، لأنه لا يمكن تصور أن الإدارة الأميركية سوف تغض النظر على الملف النووي الإيراني وتتركها ـ أي إيران ـ تواصل مشاريعها السياسية والنووية، لأنه في هذه الحالة، سوف تخسر الإدارة الأميركية مصداقيتها كدولة عظمى تدير الشؤون الدولية.

كما إن إسرائيل ليست نائمة فهي تضغط في اتجاه التصعيد العسكري لأنها ترغب في دعم موقعها الاستراتيجي كقوة محورية في الشرق الأوسط خصوصا بعد احتواء سوريا وتراجع دور حزب الله إلى حد ما في لعبة التوازنات في الشرق الأوسط،

وتعتقد إسرائيل أن احتواء إيران سوف يدعم من أوراقها التفاوضية مع لبنان مستقبلاً لتوقيع اتفاق سلام معها لأنه سوف يكون مجرداً من المظلة السورية والإيرانية. إذا الافتراض هو أن لا تلجأ الولايات المتحدة الأميركية إلى ضرب المنشآت النووية الإيرانية بل ضرب منشآت عسكرية حيوية محددة،

لأنها تعرف حجم الدمار الذي يمكن أن يسببه الإشعاع النووي على دول المنطقة، إلا أنه مع ذلك، لا يمكن أن نسقط الخيار النووي من الحسابات الاستراتيجية من جهة إسرائيل، التي ترى هي الأخرى، أنها المعنية المباشرة بالموضوع، فمن مصلحتها أن تدمر البنية التحتية لهذه المنشآت لكي لا تعاود إيران بناءها في المستقبل مجدداً،

مثلما كان الحال عليه عام 1981 عندما ضربت إسرائيل المفاعل العراقي، فسيناريو الخيار النووي يظل قائما خاصة أن إسرائيل تقوم بتحديث خطط لتوجيه ضربة استباقية للمنشآت النووية الإيرانية من خلال غارات تشنها قاذفات بعيدة المدى من طراز(أف15أي) وصواريخ كروز من مواقع جوية في إٍقليم كردستان شمال العراق كما ذكرت ذلك مصادر إسرائيلية لصحيفة (هيرالد)البريطانية.

كاتب ومحلل سياسي جزائري

Khiredine1@yahoo.fr