وسط جنون التصعيد العدواني الإسرائيلي، في غزة، طفت على سطح الوضع الفلسطيني بوادر علامات صحوة. أو على الأقل لغة تنم عن إحساس بالحاجة إلى الاستدراك الداخلي. يشي بذلك ليس فقط توقف التراشق بين «فتح» و«حماس»، بل أيضاً استبداله بنزوع نحو إعادة النظر بالحسابات ورغبة في إرسال الإشارات الحوارية.

فالخطاب المتبادل أخذ حلة مختلفة ومفقودة منذ فترة، انقطع خلالها حبل الود وحل مكانه الجفاء والتباعد، بين الفريقين. بحد ذاته يشكل ذلك انعطافة نوعية مهمة. لكن أهميتها تكمن في القدرة والتصميم على البناء عليها وتطويرها. وهنا التحدي المطروح أمام الساحة الفلسطينية بكافة قواها، في هذه اللحظة الدقيقة والحاسمة.

إن ما يشهده القطاع منذ أيام والمفتوح على المزيد من الاستباحة والنزف، له استهدافات أبعد وأخطر مما تزعمه إسرائيل، بأنه مجرد رد على صواريخ غزاوية ضد مستوطناتها المجاورة. حجم الهجمة الكاسرة والخسائر المؤلمة والمتوالية التي تعمد إنزالها،

فضلاً عن إحكام الحصار عبر إقفال كافة المعابر من وإلى غزة، يشير إلى أن العدوان يهدف أساساً إلى تعميق الشرخ الفلسطيني، من خلال تأليب الساحة وتحريض أطرافها على بعضهم البعض. وذلك يوفر له أيضاً التملص من المفاوضات والإطاحة بما تبقى من أنابوليس. إذا بقي منه شيء.

الجيد والمشجع أن التعامل الفلسطيني، على كافة المستويات والمواقع، حصل بصورة مخيبة لإسرائيل. الرئيس محمود عباس سارع إلى الاتصال بقيادة حماس معزياً. هدد بالاستقالة وحل لجان التفاوض. مستشار رئيس الوزراء المقال، إسماعيل هنية، دعا أبو مازن للمجيء إلى غزة «ليصطف الجميع دفاعاً عن غزة».

كما توقع بدء حوار قريب بين «فتح» و«حماس»، عقب اتصالات التعازي التي أجراها العديد من القيادات في «فتح». كلام غائب عن الخطاب الفلسطيني، من زمان. غياباً كانت كلفته عالية. ساهم في تمادي إسرائيل بعدوانها.

بالتأكيد صب في مصلحتها. هذه الكلفة نفسها تأتي ـ وكأنه كان لابد منها ـ لتهز الساحة بكل مكوناتها وتحمل كافة الأطراف على التبصر بما آلت إليه الأمور، في ضوء التصدع الفلسطيني. يدفع في هذا الاتجاه، تصاعد الدعوات الشعبية الفلسطينية، في غزة خاصة وفي القطاع، إلى ضرورة رأب الصدع الداخلي والعودة إلى الحوار بين الفريقين «فتح» و«حماس».

الشعب الفلسطيني أدرك فداحة الثمن، جراء وصول الانقسام إلى الحدود الخطيرة التي انتهى إليها. الآن على القيادات، التي يبدو أنها أدركت هي الأخرى الشيء ذاته، أن لا تلبي فقط هذه الدعوة، بل أيضاً أن تسارع في تلبيتها. الأولوية العاجلة الآن والتي ينبغي أن تتقدم على كل ما عداها، تتمثل في العودة إلى وحدة الصف.

أو في أقله إلى تحييد الخلافات السياسية في هذه اللحظة وتقديم موجبات الوحدة الوطنية، من غير تردد أو تأخير، فالوحدة في وجه الهجمة الشرسة والإسراع في وصل ما انقطع ضرورة تتقاطع عندها مصلحة القضية كما مصالح كافة الفرقاء؛ إذا لم يكن لوقف العدوان ففي أقله لتقليص خسائره، وتفويت فرصة اللعب على التناقضات الفلسطينية، من قبل إسرائيل وواشنطن.