ما أشد الفارق بين الصورتين.. صورة استقبال الرئيس الأميركي بوش في مصر قبل بضعة أيام، وصورة أخرى لرئيس أميركي آخر هو ريتشارد نيكسون جاء إلى مصر بعد حرب 73 ليدشن مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بل وفي تاريخ المنطقة والعالم كله.

كان ذلك في يونيو 74، والرئيس السادات قد قرر خلط أوراق اللعبة في المنطقة، ونقل رهانه بالكامل إلى الولايات المتحدة الأميركية مؤمنا أن ما تحقق في حرب أكتوبر هو نهاية المطاف وان واشنطن وحدها قادرة على إقرار السلام في المنطقة، وأنه سيكون الحليف الأكبر لها الذي يستطيع أن يحسم المعركة حول مستقبل المنطقة لصالحها، وبالتالي يحسم الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتي وقتها لمصلحة أميركا والغرب.

هكذا جاء نيكسون إلى مصر، وكان هو الآخر يمر بظروف صعبة للغاية بعد فضيحة ووترغيت يحاول الهروب منها بتسجيل نصر خارجي.

وجاءته الفرصة في مصر التي مرت العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة بسنوات من التباعد والصدام، انتهي بالمشاركة الأميركية مع إسرائيل في ضربة 67، ثم بإنقاذ إسرائيل في حرب 73 بعد سقوطها المدوي في الأيام الأولى للقتال، قبل ذلك كان الحصار الاقتصادي والحرب الإعلامية واستنزاف الجهد المصري في معارك متلاحقة في الداخل والخارج.

الآن جاء الوقت لتعلن واشنطن أنها حسمت المعركة لصالحها، وان مصر التي قادت حركة الجماهير العربية لسنوات تتحول الآن إلى حليف أساسي لها ـ أن أوراق اللعبة في المنطقة أصبحت في يدها أو هي في الطريق لذلك، وأن الخروج السوفييتي من المنطقة كلها هو مسألة وقت، وان الحلف العربي الذي خاض حرب أكتوبر وانتصر فيها والذي كان مرشحاً ليصبح قوة أساسية يحسب العالم حسابها هو في طريقه للتفكك.

هكذا جاء نيكسون إلى مصر تسبقه حملة إعلامية غير مسبوقة تنشر الوعود بأن السلام قادم معه، وأن أيام شد الأحزمة من أجل توفير إمكانيات المعركة ومتطلبات البناء في وقت واحد قد انتهت، وان مرحلة من الرخاء ستعم على الجميع، وان أطنان المعونة وأموالها التي تم توزيعها قبل الزيارة ليست إلا عربون الرخاء القادم بأسرع مما يتصور الجميع.

ووسط هذا المناخ، ومع تعليمات مشددة للأجهزة الرسمية، ومع رهان من السادات على أن نجاح تحالفه مع واشنطن سوف يحسم المعركة في الداخل ضد قوى اليسار والقوميين لصالحه، اصطحب السادات الرئيس الأميركي في قطار من القاهرة إلى الإسكندرية، وتم تنظيم استقبالات ترحيبية في محطات السكة الحديد على الطريق، واعتبر الطرفان أن الرسالة قد وصلت إلى جميع الأطراف في الداخل والخارج.

ورغم أن الرئيس الأميركي اضطر لتقديم استقالته بعد أقل من شهر بسبب تداعيات فضيحة ووترغيت، إلا أن قطار العلاقات الجديدة كان قد وضع على الخط وبدأ رحلته التي استمرت حتى الآن ما يقرب من أربعة وثلاثين عاماً يأتي في نهايتها الرئيس بوش في زيارة أخرى لمصر قد تجسد الحصاد الحقيقي لهذه العلاقة.

الزيارة تأتي في ختام زيارة لدول المنطقة شملت دول الخليج وفلسطين المحتلة والسلطة الفلسطينية، ورافقتها حملة تركز على أن الهدف الرئيسي هو متابعة «رؤية» الرئيس الأميركي لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. بينما كانت المحاور الأساسية الحقيقية في «أجندة» الرئيس الأميركي هي الوضع في العراق والمواجهة مع إيران وأسعار البترول وصفقات السلاح.

و رغم أن الزيارة لمصر هي اللقاء الأول مع الرئيس مبارك منذ أربع سنوات انقطع فيها الرئيس المصري عن زيارة العاصمة الأميركية كما كان يفعل سنوياً، فإن الزيارة لم تستغرق إلا ثلاث ساعات، وعكست المناخ البارد (على أحسن تقدير) الذي تمر به العلاقات بين البلدين. ولعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يتناغم فيها الموقف الرسمي مع الموقف الشعبي لحد كبير. فقد جرت العادة لسنوات أن تظل العلاقات الرسمية (رغم أي خلافات) محصنة من تأثير الشارع الغاضب على السياسة الأميركية.

هذه المرة كان الرئيس الأميركي في طريقه إلى شرم الشيخ، بينما كانت مظاهرات الاحتجاج تتعدد وسط القاهرة من قوى المعارضة وسط «تسامح» رسمي ارتبط بان تكون هذه المظاهرات رمزية وليس بحشود كبيرة، وبينما كانت الصحف المعارضة والخاصة تشن حملاتها على الرئيس الأميركي معترضة على زيارته للقاهرة، كانت الصحف «القومية» تشارك بهدوء، وكان رؤساء تحرير محسوبين على الحكومة يسيرون في نفس الخط.

لكن الأهم كان نشر تصريحات نسبت لوزير الخارجية احمد أبوالغيط استخف فيها بزيارة الرئيس الأميركي وقلل من شأنها، ووجه انتقادات لاذعة للسياسة الأميركية في المنطقة.. صحيح أن الوزير نفى بعد ذلك هذه التصريحات، وهو أمر مفهوم الآن هذه التصريحات قيلت ـ وفقاً للرواية الصحافية ـ في اجتماع لأحد لجان الحزب الوطني حضره جمال مبارك نجل الرئيس المصري !

لكن الصحيح أن لا دخان بغير نار، وان تسريب ما جرى في الاجتماع من جانب أعضاء بارزين في الحزب الحاكم أمر له معناه. وبعيداً عن اتهامات أميركية (وإسرائيلية) أخيرة للوزير المصري بأنه متطرف (!!) فإن الأمر أبعد من ذلك بكثير. وحتى الأزمة التي ثارت أخيراً حول قرار الكونغرس بتعليق مبلغ من المعونة الأميركية لمصر وربطه بقضايا مثل حقوق الإنسان، لا يمثل إلا رأس الجبل العائم من أزمة العلاقات المصرية الأميركية.

فالقضية تتعلق أساساً بمجمل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وبتصور الإدارة الأميركية لدور مصري مساند لها دون قيد أو شرط.. سواء الموافقة على تقسيم العراق، أو إطلاق يد إسرائيل في غزة تمهيداً لفرض التسوية النهائية بشروط إسرائيل وحدها. وسواء بقبول استمرار الحروب الأهلية في السودان حتى يتم السيطرة على ثرواته البترولية والمعدنية، أو بحصار سوريا حتى ترضخ للشروط الأميركية.

وسواء بدفع الدول العربية للتطبيع المجاني مع إسرائيل، أو بتزعم ما يسمى بالدول العربية المعتدلة استعدادا لضربة أميركية إسرائيلية لإيران، حتى لو كان الثمن نقل تجربة الحروب السنية الشيعية من العراق المنكوب إلى باقي الوطن العربي.

وعلى مدى سنوات كانت واشنطن تمارس مختلف الضغوط على القاهرة، وكانت المعونة أحد أوراق الضغط، ليس فقط لقيمتها المادية ولكن لان إيقافها كان يعني رفع الغطاء الاقتصادي وربما السياسي بكل ماله من آثار. ومع ذلك فقد كان للعبة حدودها، وكانت ـ في أوقات الأزمة ـ لا تتجاوز بعض الهجوم في الكونغرس تترك له الإدارة المدى للحد الذي تريده، ثم توقفه بالتأكيد على المصلحة الأميركية في استمرار المعونة. وأحيانا كان يتم الإيعاز للقاهرة بان النفوذ الصهيوني في الكونغرس يحتاج لتدخل إسرائيلي عليها أن تطلبه.. وهو بالطبع تدخل له ثمن.

لكن الأمور هذه المرة تعدت الخطوط السابقة. فالكونغرس لم يقف عند حد المناقشة والاقتراح بل اتخذ بالفعل قراراً بتجميد جزء من المعونة، ورغم أن قيمة ما تم تجميده لا يمثل شيئاً له قيمة حقيقية (100 مليون دولار ) فإن الرسالة وصلت، بل وتم ربطها بمزاعم إسرائيلية حول قضية إنفاق غزة وتهريب مصر السلاح إلى حماس !!

و بالطبع كانت القاهرة الرسمية تعرف أن القضية ليست هنا، بل في الملفات المختلف عليها.

أما القاهرة الشعبية فكانت ترى أمامها حصيلة ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماَ من العلاقات الإستراتيجية مع واشنطن في : محاصرة لدور مصر وجعلها تنكفئ على همومها الداخلية. خلل يتزايد في موازين القوى بين العرب وإسرائيل.

محاولة لتصفية القضية الفلسطينية بشروط اليمين الإسرائيلي. عراق مدمر ومهدد بالتقسيم. جهد متواصل لزرع الفوضى في كل أنحاء العالم العربي باعتبارها الخطوة اللازمة لإعادة رسم خريطة المنطقة لمصلحة أميركا وإسرائيل. ونشاط محموم لإعداد المسرح لحرب أخرى على إيران تكرر تجربة العراق بصورة أسوأ، ويدفع العرب ثمنها كالعادة.

أما الديمقراطية التي وعدت واشنطن بان تعم المنطقة، فقد انحصرت في ديمقراطية القتل التي راح مليون عراقي حتى الآن ومئات الألوف من الفلسطينيين والعرب من ضحايا «واحة» من الديمقراطية الإسرائيلية، وأما الرخاء الذي وعد به السادات مع بدء العلاقة «الإستراتيجية» مع أميركا، ثم «بشرنا» قبل اغتياله بأنه جاء قبل موعده، فقد تحقق بالفعل لنسبة لا تزيد على 2 % من الشعب المصري، بينما يعيش حوالي 50 % في براثن الفقر أو على حدوده.

أي حصاد مر لعلاقة «إستراتيجية» آن لكل قواعدها أن تتغير !!

كاتب صحفي مصري