في عام 1965 وبعد قليل من أدائه القسم رئيسا لمجلس السيادة، استلم الرئيس السوداني الراحل إسماعيل أزهري ورقة تطلب منه المثول أمام المحكمة في دعوى رفعها عليه جاره بسبب نزاع على جدار أقامه أزهري يفصل بين منزله ومنزل جاره.

يتعين علينا أن نتذكر الفترة التي جرت فيها هذه الواقعة، فقد كان السودانيون وقتها قد أطاحوا بحكومة الجنرال إبراهيم عبود العسكرية في انتفاضة شهيرة عام 1964 قادها تحالف أحزاب ونقابات عمالية أطلق عليها «جبهة الهيئات».

واليوم عندما تستعاد واقعة أن يمثل رئيس الجمهورية أمام المحكمة في نزاع مدني يمكن أن يحدث بين مواطنين عاديين، تبدو اقرب للخيال أو مدعاة للتحسر. بالتأكيد أرسل أزهري من يمثله أمام المحكمة، محاميا كان أم موظفا في رئاسة الجمهورية، لكن العبرة في هذه القصة كامنة في حقيقة إن رئيس الجمهورية لم ينكر حق مواطن في أن يختصمه أمام المحكمة، ولم يتخذ أي إجراء انتقامي بحق ذلك الجار.

ولنلحظ أيضا أن الجار كان موقنا إن لجوءه إلى المحاكم لم يكن ليمثل أي تصرف استثنائي بل تصرف اعتيادي ولم يكن ليعتقد أن في تصرفه تطاولا أو مساسا برئيس الجمهورية أن بصفته الاعتبارية أم بصفته مواطنا مثله. في كلا الحالين، تعامل الجار والرئيس بمنطق المواطنة واحترام القانون.

في تاريخ السودان الحديث أمثولة أخرى هي أمثولة المشير عبدالرحمن سوار الذهب. لقد كان وزيرا للدفاع في آخر حكومة للرئيس السوداني المخلوع جعفر النميري، وعندما اشتد إلحاح زعماء الأحزاب عليه بضرورة التحرك أمام موجة الاحتجاجات الجماهيرية عام 1985، قدم عذرا نابعا من الورع عندما قال لهم أن القسم الذي اقسمه لدى تعيينه يمنعه من التحرك كي لا يحنث باليمين الذين اقسمه. استصدروا له فتوى تبيح الحنث بالقسم من باب الضرورة على أن يؤدي كفارة لقسمه فيما بعد.

وفور قيامه بالانقلاب على النميري وتشكيل حكومة مؤقتة، أعلن سوار الذهب أمام السودانيين أن عمر هذه الحكومة لن يزيد على عام واحد تجرى بعدها انتخابات لاختيار رئيس جديد للجمهورية. وعندما حل الموعد التزم هذا العسكري الورع بوعده وترك سدة الحكم.

الآن، في أي سياق يمكن أن نضع هاتين القصتين في استقرائنا لما جرى في السودان منذ واقعة أزهري وواقعة سوار الذهب؟ وكيف يمكن ان نقرأهما في تاريخ صاخب من الاحتراب الطويل والتردي الاقتصادي والمعيشي؟

أن تفسير «المؤامرة الخارجية» مثلا لن يكون كافيا وهو الحجة التي تطرح دوما في الجدل السياسي في السودان طيلة عقود مضت وحتى الآن، اقله فيما يخص الحرب في الجنوب أو ما يخص الحرب في إقليم دارفور الآن. ان هناك مسؤولية ذاتية يجري التهرب منها دوما.

الخلاصة المؤكدة لأي نقاش عن الأوضاع في السودان ستصل حتما إلى ذلك الشعور بالحنين للعقود الأولى لاستقلال هذا البلد. عهود الحكم المدني التي كانت مرتبطة بديمقراطية كانت تبدو مثل الأعجوبة في عالم عربي كان يحكمه الضباط أو أنظمة ملكية لم تعرف حتى ذلك الحين أي شكل من أشكال الديمقراطية إلا في حدود تقل كثيرا عن النموذج السوداني.

ان الاستعادة التاريخية هنا يمكن ان تتكرر مع أكثر من بلد عربي. الأمثلة قد لا تكون متشابهة وهي ليست كذلك بالضرورة، ولنلحظ أيضا أن الحنين لأي مرحلة مضت، يرتبط دوما بميزة ارتبطت بتلك المرحلة لكنها باتت مفقودة بشدة الآن أو هي موضع معاناة شديدة الوطأة في الوقت الحاضر.

على هذا النحو، يمكن ان تستعيد الذاكرة عقودا من السكون السياسي والقمع لكنها تميزت برخاء اقتصادي نسبي ومستويات معيشية لم تكن الفوارق الطبقية صارخة فيها. مصر مثلا في عهد جمال عبدالناصر. الحال نفسه بالنسبة لعراق ما قبل الاحتلال الأميركي، حيث تبرز فضائل العلمنة بشكل لا جدال فيه عندما كانت الفوارق الطائفية ذائبة في هوية وطنية واحدة رغم السجل المخفق في الحريات مثلا.

لكن في مثال العراق، فان العلمنة التي كانت سائدة منذ العهد الملكي وأحزابه وانتخاباته وحتى زعماؤه الفاسدين، تبدو أكثر من وعاء ضروري لخلق هوية وطنية، لأنها كانت اقرب لفضاء اكبر يجمع السياسة والثقافة والحياة اليومية.

اليوم فقط تستعيد الذاكرة العلمنة على هذا النحو لان الواقع الراهن بات يطرح نقيضها ويفتقد بشدة لوضع كان يسمح بحيوية ثقافية وفكرية ويلحظ التنوع العرقي والثقافي في إطار هوية وطنية مثلا رغم وطأة القمع السياسي. لم يكن الوضع مثاليا حتما، والذاكرة في العادة تزين الاستعادة، لكن ما من شك ان ما يشهده العراق اليوم مثلا يدفع حتما للإحساس بوطأة الفقدان لدى أجيال من العراقيين.

يمكن ملاحظة هذا في كتابات العراقيين حتى أولئك المستبشرين بسقوط النظام السابق. والعبرة هنا تتجاوز الحدث السياسي لان الملاحظة لا تفوت الكثيرين: لم يسقط نظام سياسي مخفق فحسب، بل ثقافة ومنظومة قيم بأكملها ظلت تمثل الغراء الذي يجمع العراقيين بكل انتماءاتهم.

ومثل العراقيين، ينتاب البحرينيون منذ سنوات ذلك الإحساس الغامض بان ما كان سائدا في عقود مضت كان أفضل رغم غياب الديمقراطية. المعنى هنا ليس شاملا، فالأفضل الذي يتذكره البحرينيون بشدة (لأنهم يفتقدونه بشدة) هو تلك الهوية الوطنية الموحدة التي ظلت تجمعهم بعيدا عن التشاحن الطائفي الذي بات شديد الوطأة اليوم وفرض نفسه حتى على الحياة اليومية وسممها إلى ابعد الحدود.

من أمثولة السودان إلى العراق أو أي بلد عربي آخر، أجادل بأن هناك حقيقتين تحكمان المجتمعات العربية منذ ان عرفت الحداثة منذ القرن التاسع عشر. الأولى، أنهم لا يدركون فضائل اي وضع حاضر يعيشون فيه. ينطبق هذا الأمر على الديمقراطية مثلا والفضائل الأخرى التي جلبها المستعمر. ان عيبها الأساسي والتاريخي أنها جاءت مع المستعمر، لكن العرب ابعد بكثير عن الذكاء العملي لذلك ظل تاريخهم الحديث متقلبا ما بين فترات من النهوض القصير التي تعقبها ردات طويلة.

يصدق هذا الأمر على الاقتصاد مثلما يصدق على السياسة والثقافة أيضا. وفي أمثلتنا تلك، من الواضح أن كثيرين في السودان لم يدركوا قيمة الديمقراطية التي كانت بأيديهم في وقت مبكر، فغرقت البلد في سلسلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي جراء المراوحة ما بين الانقلابات العسكرية والحكم المدني القصير.

أما الحقيقة الثانية، فهي ثمرة طبيعية للحقيقة الأا كان لها صلة وثيقة بمفهومهم للآخر، أو التعددية بالمعنى الأشمل للكلمة، فلقد قادهم هذا دوما إلى ربط المكتسبات من أي نوع بالقادة وأنظمة الحكم التي جرت في ظلها تلك المكتسبات، تماما مثلما كان الحال مع الديمقراطية الآتية من الغرب.

هكذا فان احترام أول رئيس للسودان المستقل للقانون تبدو مثالية فوق الاحتمال، والهوية الوطنية الجامعة وفضائل العلمنة تبدو في نظر جزء من العراقيين مرتبطة بالعهد الطويل لنظام حزب البعث وليست مكتسبات تاريخية. وفي كلتا الحالين ليست من رد فعل سوى الانقلاب عليها والتنكر التام لها، ليصبح تاريخ العرب المعاصر في النهاية متسما بخاصية القطيعة دوما وليس النمو المتواصل.

كاتب بحريني