فشلت المبادرة الفرنسية وتكاد المبادرة العربية أن تفشل بعد أن نالها التراشق الكلامي من كل حدب وصوب. ومن يتتبع الأوضاع على الساحة اللبنانية، يشعر بأن هناك من يسعى إلى دفع اللبنانيين إلى الصدام والمواجهة لغايات إقليمية. وفي ظل هذا الواقع، ماذا يتبقى أمام اللبنانيين من حلول؟ سؤال يطرح جديا بعد أن شهدت المنطقة زيارات من رئيسي أهم دولتين في العالم وهما جورج بوش ونيكولا ساركوزي مصحوبة بتصعيد في الخطاب ضد إيران.

ولربما كان لبنان أقل اضطرابا لو غابت عنه تلك الرسائل المتواصلة والتصريحات العابرة للبحار، المؤيدة لهذا الطرف والداعمة لذاك والمتحدثة عن التدويل وهو قائم في إطار القرار 1559 وإن كان دخوله حيز التطبيق غير ممكن لتاريخه.

فما زال هذا البلد أكثر المناطق حساسية في المنطقة وتشكل الأزمات التي يمر بها ظواهر مثيرة للاهتمام لكونها تعكس تحولات الظروف الإقليمية والدولية، والتي ازداد طغيانها في العقدين الماضيين تماشيا مع التطورات البنيوية في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جرى إرساؤها في بنيان لبنان.

بيد أن عزل مجمل الأحداث على الساحة اللبنانية إلى التأثيرات الخارجية دون النظر في تاريخ لبنان وتوازناته يبدو وكأنه يحيد قليلا عن تحليل صحيح للأحداث. في إحدى اللقاءات التلفزيونية، تتساءل مناضلة في حزب الكتائب ممن خاضوا المعارك خلال الحرب الأهلية في لبنان عن أسباب استمرار المعارك على الرغم من خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982.

وتضيف بأن هذا التساؤل قد أثر في نظرتها السياسية للأحداث (حول طبيعة الصراع الداخلي). واليوم أيضا يبدو من الأهمية التمعن في التحولات التي طرأت على مكونات لبنان الداخلية ونمط العلاقات القائم بين أبنائه وموقعهم في بيئتهم الثقافية والجغرافية، ويزداد هذا التحليل أهمية خصوصا بعد خروج القوات السورية في لبنان والتي كان لها اليد الطولى في صناعة سياسته على مدى أكثر من عقد من الزمن.

فقد دخل لبنان مرحلة جديدة الأمر الذي بات يتطلب تعديلا ما يتماشى مع تغير الظروف. كانت الانتخابات النيابية امتحانا أوليا للمؤسسات الديمقراطية، لكن القانون الانتخابي الذي خيضت على أساسه الانتخابات والذي صيغ في أيام الوجود السوري عجز عن عكس الوقائع المتغيرة على الأرض، لاسيما الحجم الحقيقي للتيار العوني.

ترافق الأمر مع أزمة سياسية خطيرة انعكست بمواقف تطالب بشراكة حقيقية في السلطة، وفي الشراكة دون شك تعزيز لقوة الدولة من خلال توسيع القاعدة الشعبية التي تمارس الدولة سلطتها عليها، لكن المعروف أيضا أن أمرا كهذا نادرا ما يتم من دون تعريض البلاد إلى هزات سياسية عميقة. وتزداد هذه الأزمة عمقا في لبنان بسبب التحولات المتسارعة التي يمر بها وجسامة المصالح الدولية في المنطقة.

والسؤال المطروح اليوم هو كيف يمكن القيام بإجراء هذه المشاركة؟ كان طبيعيا أن يطرح الصراع مراجعة للنظام السياسي خصوصا وأن هذا النظام قائم على التوازن الطائفي، وتجري اليوم محاولة لمعالجة الوضع عبر إعطاء حقائب وزارية لرئيس الجمهورية الماروني.

لكن هناك أطراف تقول بوجود أسباب ظرفية للأزمة أيضا، وتطالب بشراكة في السلطة من خلال حصولها على الثلث الضامن في الحكومة المقبلة.

والمشكلة أن هناك في لبنان من هو مرتاح للوضع القائم قائلا: سبق أن عاش اللبنانيون تجربة مشابهة لمدة سنتين من سبتمبر 1988 إلى أكتوبر 1990، بعد أن ترك أمين الجميل منصب الرئاسة شاغرا ونصب قائد الجيش حينها ميشال عون رئيسا على حكومة انتقالية.

وما يرجوه هؤلاء أن لا يجري تعكير صفو الأمر الواقع بأي خطوات إجرائية مفجرة للأوضاع، وإلا خرجت الأمور عن السيطرة وتحولت إلى حرب أهلية طاحنة كما خلال فترة حكومتي عون والحص، ولم يأت الخلاص حينها إلا بعد اتفاق جديد بين الأطراف برعاية سعودية ما سمي اتفاق الطائف، ودخول الجيش السوري.

بيد أن الذي يراهن على أمر كهذا لا بد أن يحسبها جيدا، فالنتيجة غير مضمونة والثمن الذي ستدفعه البلاد باهظا، خصوصا وأن هناك تحولات اجتماعية وديمغرافية على ارض الواقع لا يمكن إغفالها. فقد تفقد الخلافات الإقليمية والدولية زخمها كما أنها قد تراوح مكانها إلى زمن، وليس هناك ضمانة لسلامة اللبنانيين وحريتهم إلا بتعايشهم في ظل دولة واحدة.