«التواطؤ الأميركي مع الأنظمة الاستبدادية هو الذي ينجب التطرف خاصة إذا بدا هذا التواطؤ موجهاً ضد الإسلام والحرية»، هكذا اختتمت صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية مقالة افتتاحية الأسبوع الماضي.
وإذ تركز المقالة على النموذج الباكستاني فإنها تقول بوجه عام إن الدعم الأميركي للاستبداد في العالم العربي والإسلامي المقترن بالفساد هو الذي يؤدي إلى التطرف المقرون بالعنف.
تاريخ باكستان المعاصر يفيد بأنها لمدى أكثر من 60 عاماً منذ استقلالها وحتى اليوم ظلت في أغلب الأحوال خاضعة لحكم عسكري دكتاتوري وأن الولايات المتحدة اتخذت من الجنرالات المتعاقبين على السلطة حلفاء. ومؤخراً وباسم «الحرب على الإرهاب» تولت واشنطن دعم وتمويل نظام الجنرال مشرف، مع ذلك لا تكف الإدارة الأميركية عن «التبشير» بنشر الحرية والديمقراطية في بلدان العالم العربي والإسلامي وكأن القول شيء والتطبيق شيء آخر، ولكي يتخذ النظام الأوتقراطي مظهراً «ديمقراطياً» تكتفي واشنطن بمطالبته بإجراء عمليات انتخابية مزيفة ومقيدة بنصوص قانونية تجعل من المستحيل تمكن المعارضة إحراز فوز انتخابي حاسم.
الاستبداد في كل الأحوال يولد الفساد الذي يستشري حتى يرتقي إلى مستوى أكبر ظاهرة للنظام الحاكم.
وفي الواقع فان النظام نفسه بما يملك من قوة أمنية قمعية وسلطة مطلقة في سن التشريعات الملائمة لصالح رأس المال الأجنبي ووكلائه المحليين هو الذي يحمي ممارسات الفساد، وبالتالي تنشأ ظاهرة الخلل في توزيع الثروة القومية، وإلا كيف نفهم أنه بينما لا يتوفر لغالبية الشعب في بلد ما دخل فرد لتلبية احتياجات الحد الأدنى لمتطلبات المعيشة.
حتى على الكفاف من غذاء ضروري ورعاية صحية وتعليم، نجد في نفس البلد شريحة ضئيلة يعيش أصحابها بمستوى غربي ويمتلك بعضهم ليس فقط سيارات فاخرة بل أيضاً طائرات خاصة ويحتفظون بحسابات بالنقد الأجنبي في عواصم غربية علماً بأن البلد المعني مصنف على قائمة الدول الأكثر فقراً.
من هنا تنشأ حالة التذمر الشعبي التي تتعاظم وتتصاعد مع مرور السنين ليتحول التذمر إلى شغب عام في الشارع ومن ثم إلى تنظيمات سرية تتبنى أساليب العنف، مثل هذه الحالة تتعامل معها الولايات المتحدة بحث النظام الاستبدادي الحاكم على استخدام المزيد من القمع القاسي من ناحية وغض النظر عن تزييف العمليات الانتخابية من ناحية أخرى، الأمر الذي يحفز التنظيمات المعارضة على المزيد من العنف.
هذا هو ما يحدث في باكستان وكينيا الآن كأبرز نموذجين في الوقت الحاضر، في كل من الحالتين لا تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الدولة أو تلك إلا كقاعدة للحرب على «الإرهاب»، ولذا ليس مثار عجب أن واشنطن تدير ظهرها لظاهرة الفساد في هذه الحالة، فاهتمامها ينحصر في رفع كفاءة الأجهزة الأمنية القمعية فقط.
الفعل يفرز رد فعل. فما لم تغير الولايات المتحدة سياسة التحالف مع أنظمة الطغيان في العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث عموماً فانها تبقى موعودة بالمزيد تلو المزيد من العنف، وليسأل أركان إدارة بوش أنفسهم: هل تقلص عنف الكراهية ضد الولايات المتحدة في عهد الجنرال مشرف أم انه في الحقيقة تضاعف؟