مع استمرار دوران ماكينة القتل الإسرائيلية، والمجازر التي تغتال يومياً عشرات الشهداء، وتدمر عشرات المنازل في قطاع غزة، وتتمدد إلى مدن نابلس والخليل في الضفة الغربية يسود صمت دولي وعربي مريب، وجدته حكومة دولة الاحتلال ضوءاً أخضر يفتح لها الباب لتصعيد وتيرة العدوان، فمن لم تطله يد القتل، سيخنقه طوق الحصار، ومن لم ترعبه المجازر، سيكون التجويع كفيلاً بتركيعه.

هكذا هو منطق الغزاة في العصور الوسطى، قبل أن يحتل الغرب منصة الوعظ بالحريات وحقوق الإنسان، وينصب نفسه قاضياً يصدر أحكام الإدانة أو البراءة، وينتفض ممثلوه في المحافل الدولية والشعبية للانتصار للضحايا، ويسارعون بوضع كل من يجرؤ على التذكير بجرائم العصابات الصهيونية أو استخدام وصف العنصرية على قوائم سوداء، تضم من يعتبرون معادين للسامية.

مع سقوط أكثر من 34شهيداً فلسطينياً، وبقاء باب المجازر مفتوحاً لابتلاع المزيد، لم ينطق لسان العدالة الدولية بمجرد كلمة حق تبقي الأمل في العدل قائماً، وتسد باب اليأس الذي ينتاب الجميع، وتجعل أهالي الضحايا يستعيدون ثقتهم في وجود مؤسسات دولية قادرة على إنصاف المظلومين ولو بمجرد بيان لا يقيد يد القاتل بل يصمه بما يستحق من وصف.

ويتفاقم الوضع المزري، عندما نقارن التحرك السريع جداً وصدور بيانات التنديد والإدانة حيال مجرد خدش مشاعر إسرائيل أو أسر أحد جنودها القتلة، في حين يطول أمد الصمت بطول ليل الضحايا دون أن يهتز للعدالة الدولية جفن، وكأن هناك شعوباً قدرها أن تكون ضحية غير مبكي على أبنائها الذين تغتالهم آلة القتل.

الغريب أن الصمت الدولي جر خلفه صمتاً عربياً أنكى، وكأن ما يجري لا يخصنا، رغم أن إسرائيل تتعامل معه على أنه شأن عربي خالص. وتعتبره في نهاية المطاف مؤشراً على قدرتها في باقي الساحات العربية.

في أجواء كهذه وجدت إسرائيل الفرصة سانحة لإكمال مخطط ترويع الشعب الفلسطيني وأقدمت أمس على إغلاق نقاط العبور إلى قطاع غزة، ومنعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من تقديم المساعدات إلى الشعب المحاصر والنازف دم أبنائه على مدار الساعة.

وجريا على خطاب القتلة يتقمص الناطق العسكري الإسرائيلي مسوح صناع الخير ويقول «إذا نقص الحليب في غزة سيطلب من الوزير الموافقة على شحنة حليب وستدخل. ليس القصد هو تجويع سكان غزة حتى الموت». ويتناسى أن هناك أكثر 5,1 مليون شخص غالبيتهم يعتمدون على المساعدات الأجنبية في غزة.

وللتعرف على صورة حصار التجويع بعد حصار المجازر يقول الناطق باسم الاونروا: «كل المعابر مغلقة ولا تمر أي مساعدات. من الضروري جداً أن يعاد فتح المعابر لمنع حصول تدهور إضافي للوضع في غزة وتفاقم معاناة أكثر من مليون و500 ألف فلسطيني».

الأدهى، أن آلة القتل، ونصب المجازر الإسرائيلية للفلسطينيين في غزة يتمان في خضم أحاديث عن السلام، والتبشير بدولة فلسطينية سيتم الاتفاق عليها بنهاية العام الحالي، بعد أن نفدت صلاحية وعد رئاسي أميركي بقيامها فعلاً في العام 2005. وهو ما لم يتحقق بل تعرض الفلسطينيون بدلا منه إلى صنوف من التعذيب والإذلال غير مسبوقة، بلغت حد ابتلاع الأراضي وطمس معالمها العربية، وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية.

وفي ظل أجواء الصمت المخادع على المجازر وحصار التجويع، تسقط ورقة التوت التي تستر عورة الحديث المراوغ عن السلام، لأنه سلام أشد فتكاً من الحروب.