يمثل نجاح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى أمس في تنظيم اجتماع بين المعارضة والأكثرية في لبنان خطوة إيجابية نحو إمكانية حدوث اختراق في جدار الأزمة الناشئة على اختلاف الأطراف على مقعد الرئيس وتشكيل حكومة وحدة وطنية وتعديل قانون الانتخاب النيابي، ويبرهن على الرغبة العربية الأكيدة في حلحلة الأوضاع، كما أن فكرة جمع الفرقاء اللبنانيين على طاولة واحدة للبحث في حل يخرج بلدهم من محنته الحالية، تمثل في حد ذاتها اختبارا لهم على مدى تقبلهم للتفاوض فيما بينهم وجها لوجه.
فضلا عن أنها كفيلة بإعطاء كل طرف الفرصة لنقل كل ما هو عالق في ذهنه من وجهات نظر أو مآخذ بصورة مباشرة دون حاجة إلى وسيط، خاصة وأن النقل أحيانا عن طريق الوسيط قد يصاحبه زيادة أو نقصان، أو قد لا يتمكن الوسيط من نقل الصورة الكاملة بكل تفاصيلها إلى الطرف الآخر.
ولعل تفضيل عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية التزام الصمت حول مساعيه والاكتفاء بتصريحات مقتضبة جدا، وإشاعة أجواء التفاؤل والاقتصار على نقل نتائج المشاورات، ليس من باب (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) فحسب، وإنما يعد مكملا لفكرة الجمع بين الأطراف.
على أن ما يهم من هذه اللقاءات سواء كانت فردية أو جماعية بين موسى وممثلي الأكثرية والمعارضة من أجل الالتزام بما جاء في المبادرة العربية التي صدرت عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في الخامس من يناير والتي تدعو إلى انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا وتشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيها للرئيس الكفة المرجحة.
والاتفاق على قانون للانتخابات النيابية، هو أن الموقف العربي الرسمي على المحك وأمام اختبار حقيقي في قوة القرار العربي ومقدرته على لمِّ الشمل العربي دون حاجة إلى الاستعانة بأطراف خارجية، أثبتت الأيام أنها ليس لها هم إلا الاصطياد في الماء العكر، وتحقيق مصالحها إن كانت لديها مصلحة من وراء الأزمة أي أزمة.
كما أن الأطراف اللبنانية هي الأخرى ليست بمنأى عن هذا الاختبار في مدى تجاوبها مع المطالب العربية واحترامها لما يطرحه العرب من حلول، مع ضرورة الإيمان بأن هذه المبادرات ما اتخذت إلا لمصلحة لبنان العربي والمحافظة على عدم انفراط حبات العقد العربي.
وعدم السماح لغياب مكون من مكونات المنظومة العربية، وعدم جعل بلاد الأرز ثمنا يقدم لتحقيق مخططات دنيئة تحيكها أطراف خارجية لا تريد رؤية الاستقرار والأمن والرخاء الاقتصادي والاجتماعي يسود بلدان هذه المنطقة، وإنما تسعى لبقائها في حالة انقسام دائم تضمن لها التبعية.
إن بقاء لبنان مستقرا تسوده روح المحبة والإخاء وعودته إلى سابق عهده مطلب عربي رسمي وشعبي، لما يمثله من مكانة وتركيبة طائفية وما يسودها من توافق وتواؤم يعطي برهانا ناصعا على عمق روح التسامح والتعايش التي يتحلى بها أبناء هذه المنطقة مهد الحضارات، وأي تبديل لهذا الوضع القائم وتغيير الوجه الحضاري المشرق للبنان مرهون بالإرادة السياسية والمصلحة الوطنية التي يجب أن يظهرها قياديوه، تترفع عن دنايا الأمور أو المصالح الآنية، ومدى تجاوبهم مع المساعي العربية وتكليل جهود عمرو موسى بالنجاح.
