لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لمنطقة الشرق الأوسط، والتي وصفتها بعض وسائل الإعلام بـ"التاريخية"، تحمل في طياتها أي مفاجآت يمكن القول إنها أسفرت عن نتائج ذات قيمة "تاريخية" لدول وشعوب المنطقة.

فما جاء بوش ليقوله في هذه المنطقة الحساسة والهامة من العالم هو تكرار لما كان يقوله وهو في مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، ولم ينجح وجوده الشخصي في تغيير آرائه أو آراء قادة الدول التي زارها حول القضايا المصيرية للمنطقة، والتي تتمثل في ملفات فلسطين وإيران ولبنان والعراق بشكل رئيسي.

فالمذابح الإسرائيلية مستمرة، وبوتيرة متصاعدة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والحصار الخانق لمليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة يزداد حدة ووحشية يوما بعد يوم، بل وأصبحت فرص التوصل إلى تسوية شاملة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر صعوبة بعد أن أعطى الرئيس الأمريكي لنفسه الحق في أن يتجاوز قرارات الشرعية الدولية ويقترح حلولا جديدة تتطابق مع الطموحات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بإلغاء حق العودة واستبداله بالتعويض.

أما إيران، فيبدو أن الرئيس بوش قد فشل في كسب تأييد دول الجوار الإيراني في أي مغامرة عسكرية قد تفكر الولايات المتحدة في خوضها ضد إيران.

فقد كان واضحا من تصريحات جميع مسؤولي الدول التي زارها تقريبا، باستثناء إسرائيل طبعا، أنهم يعتبرون إيران دولة جارة وصديقة، وأن أي خلاف يخص الملف النووي أو غيره معها يجب أن يحل بالطرق السلمية والدبلوماسية، وذلك لوعي قادة هذه الدول التام بأن مثل هذه المغامرة ستدخل دول المنطقة في نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته.

ومن السذاجة الربط بين الإعلان عن موافقة أمريكا على عقد صفقة أسلحة متطورة مع بعض دول المنطقة وبين الملف النووي الإيراني، بغض النظر عن النوايا الأمريكية حول توقيت هذا الإعلان من حيث الزمان والمكان.

فهذه الصفقة مطروحة منذ زمن وكانت قيد الدرس قبل زيارة الرئيس بوش بفترة طويلة، وهدفها تقوية دفاعات هذه الدول ضد أي عدوان خارجي مهما كان مصدره، وليست وليدة الساعة لمواجهة "الخطر الإيراني" كما حاول البعض تصويرها.

أما الملف اللبناني فما زال وللأسف يراوح مكانه، ولم تفلح حتى الآن كل الجهود الخيرة - وغير الخيرة - في رأب الصدع الداخلي بين الأشقاء اللبنانيين، ولم يضف الرئيس الأمريكي جديدا بمطالبته هذا الطرف أو ذاك أو هذه الدولة أو تلك بالسعي لتسهيل انتخاب رئيس جديد للبنان وإنهاء الفراغ الدستوري في ذلك البلد.

ويوما بعد يوم تزداد القناعة التي يعرفها الجميع رسوخا بأن مشاكل لبنان لا يحلها إلا اللبنانيون المخلصون، ولا يمكن لأي تدخل خارجي، مهما كان مخلصا، أن يقدم الحل على طبق من ذهب ما لم تمتد أيدي المخلصين لتتناول هذا الطبق وتضعه على الطاولة برفق تجنبا لتحطيمه.

إن الأجواء العامة في الشرق الأوسط، من فلسطين لإيران للبنان للعراق، تنذر بما لا تحمد عقباه إذا لم يسارع حكماء المنطقة والعالم للالتفاف على مشاكل ومعاناة شعوبها وإيجاد حل سلمي وعادل لها. ومع الأسف،لا يمكن القول إن زيارة بوش الشرق أوسطية ساهمت في تقوية الحلول، بل إن ما يحدث في غزة الآن يشير إلى أن العكس ربما كان صحيحا.