رسم الرئيس الأميركي عملياً ملامح التسوية المقبلة التي سيتفاوض حولها الفلسطينيون والإسرائيليون لاحقاً، ففي حساب الربح والخسارة يمكن القول إن الرئيس الأميركي تبنى وجهة النظر الإسرائيلية بشأن الاتفاق النهائي مع بعض التغيير الطفيف ووهب الإسرائيليين ما يريدونه كاملاً من حيث الدعم وتفهم مواقفهم التفاوضية وألغى عملياً حق العودة، واعترف بإسرائيل كدولة يهودية.

فالرئيس الأميركي تبنى الموقف الإسرائيلي بشأن الكتل الاستيطانية ودعا إلى تعديل خط الهدنة للعام 1949 ليتم ضم هذه الكتل إلى إسرائيل في إطار أي اتفاق نهائي. وسبق له أن منح ارييل شارون رسالة بهذا المعنى وهي التي يتشبث بها الإسرائيليون في مفاوضاتهم مع الفلسطينيين، ولذلك سمعنا ايهود اولمرت يستثني الأحياء الاستيطانية في القدس المحتلة والكتل الاستيطانية الكبرى وهي معاليه أدوميم شرقي القدس وكفار عتصيون بين بيت لحم والخليل وأرييل جنوب نابلس من تجميد الاستيطان.

وكان الإسرائيليون عرضوا فكرة تبادل الأراضي مع الفلسطينيين مقابل ضم هذه الكتل الاستيطانية وسبق أن تم بحث ذلك في مؤتمر كامب ديفيد بين بيل كلينتون وياسر عرفات وايهود باراك وجرى الاتفاق مبدئياً على مبادلة الكتل الاستيطانية بقطعة أرض في النقب على الحدود المصرية جنوب غزة، ولكن الإسرائيليين الآن لديهم اعتراف أميركي بهذه الكتل والخطير في رسالة التفاهم بين بوش وشارون انها تصبح ملزمة للرئيس الأميركي المقبل وتتحول إلى موقف أميركي تلقائياً دون نقاش.

من هنا فإن شكل الدولة الفلسطينية الموعودة سيكون في حدود عام 1967 مع تعديلات جديدة تشمل ضم الجدار الذي صادر قرابة 10 في المائة من أراضي الضفة إضافة إلى الكتل الاستيطانية المقامة على مساحة تتعدى الثلاثة في المائة، هذا دون احتساب الأحياء الاستيطانية في القدس المحتلة وحولها لأن الإحصاءات الإسرائيلية تستثني الاستيطان من حساباتها باعتبار أن القدس تخضع للسيادة الإسرائيلية وفقاً للمفهوم الإسرائيلي وموضع بحث في المفاوضات.

ولذلك لم يحاول الرئيس الأميركي طرق موضوع القدس في تصريحاته لحساسيته بالنسبة للإسرائيليين حيث اضطر بوش إلى التدخل ونصح زعيمي حزبي شاس وإسرائيل بيتنا وهما ايلي يشاي وأفيغدور ليبرمان بعدم الانسحاب من حكومة أولمرت إذا تم بحث قضايا الوضع النهائي بعد أن هددا مراراً بترك الحكومة إذا تفاوضت حول القدس وحق العودة.

الخط الآخر الذي رسمه بوش نزولاً عند رغبة الإسرائيليين هو اعترافه بإسرائيل كدولة لليهود وهذا عملياً ينفي حق عودة اللاجئين بل ويهدد مصير عشرين في المائة من سكان إسرائيل وهم العرب الفلسطينيون ويفتح المجال أمام الداعين إلى مبادلة منطقة المثلث المكتظة بالعرب بالكتل الاستيطانية أي ضم أكثر من نصف مليون فلسطيني على بقعة ضيقة إلى الدولة الفلسطينية مقابل أن تضم إسرائيل الكتل الاستيطانية. بل إن هذا الاعتراف بيهودية إسرائيل يهدد مصير كل العرب داخل حدود 1948 وعددهم الآن قرابة مليون وربع المليون نسمة.

وهذا بحد ذاته مشروع كارثة أو نكبة جديدة عليهم. الخط الثالث الذي رسمه بوش هو إشارته إلى ضرورة أن تحظى إسرائيل بحدود يمكن الدفاع عنها. وهو استمع إلى المطالب الإسرائيلية بهذا الخصوص حيث استعد الإسرائيليون منذ فترة لعرض مطالبهم الأمنية عليه والتي تتلخص في استمرار تواجدهم العسكري في غور الأردن واستخدام الأجواء الفلسطينية لطيرانهم والسماح لهم بنشر قواتهم في جبال الضفة الغربية لصد أي هجوم خارجي من الشرق.

وهذه المطالب وإن تم بحثها لم يجر عليها حديث علني لأن الإسرائيليين يريدونها على شكل رسالة تفاهم متبادلة بين واشنطن وتل أبيب تضاف إلى رسالة بوش لشارون حول الكتل الاستيطانية. فالإسرائيليون عملياً يجددون شكل التسوية بينهم وبين الأميركيين لفرضها لاحقاً على المفاوض الفلسطيني.

وفي سياق جولة بوش ربما كسب الفلسطينيون ما يمكن تسميته باعترافه بضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية متصلة الأجزاء وهذا قد يفهم منه إزالة مستوطنات خارج الكتل الاستيطانية فهو قال إن الفلسطينيين يستحقون ما هو أفضل من جنة سويسرية في إشارة إلى تقطع أوصال الضفة الغربية بسبب الاستيطان.

عملياً لم تبتعد ملامح الدولة كما رسمها بوش عما تم بحثه في كامب ديفيد، باستثناء قضية اللاجئين حيث تم التفاهم مبدئياً آنذاك على إعادة 10 آلاف لاجئ من لبنان في إطار لم الشمل، لكن هذا يبدو حسب المفهومين الإسرائيلي والأميركي مستحيلاً، بل تحدث الرئيس الأميركي عن أن الدولة الفلسطينية هي الوطن القومي للفلسطينيين كما هي إسرائيل الوطن القومي لليهود.

ودعا إلى تعويضات للاجئين المقيمين في البلاد العربية، ولهذا دعا الدول العربية إلى تشجيع الفلسطينيين في خياراتهم والتشجيع قد يعني أيضاً القبول بتوطين اللاجئين.

زيارة بوش عملياً فيها الكثير من المكاسب لإسرائيل خاصة وأن الرئيس الأميركي في إطار جولته العربية يحث الدول العربية على مد الأيدي إلى إسرائيل كما انه خرج بانطباع وفقاً للمعلومات السرية التي عرضها الإسرائيليون عن أن إيران ما زالت تشكل تهديداً للعالم.

فالإسرائيليون منذ أن نشر تقرير المخابرات الأميركية حول الملف النووي الإيراني وتأكيده أن إيران أوقفت برنامجها للتسلح النووي قبل سنوات سارعوا إلى حشد خيالهم المخابراتي وأعدوا تقارير تناقض ذلك ولذلك سمع الرئيس الأميركي منذ وصوله مطار تل أبيب من الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حديثاً عن التهديد الإيراني في إشارة لافتة إلى أهمية هذا الموضوع بالنسبة لإسرائيل، وعاد الرئيس بوش يتحدث عن التهديد الإيراني ولوح بالحل العسكري حيث قال إن جميع الخيارات ما زالت على الطاولة تجاه إيران.

الإسرائيليون هم الرابح الأكبر من جولة بوش، وإن حصل الفلسطينيون على قليل من المكاسب فإنهم ليسوا في وضع داخلي يتيح لهم ممارسة الضغط على أحد، فهم في موقف المتلقي الضعيف.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ــ فلسطين