تشكل الهوية عنصراً مهماً وفاعلاً في حياة الشعوب والجماعات والأفراد على السواء. وبقدر ما تتسم الهوية بالحركية وبالمرونة اللازمة لها، فإنها تمثل عاملاً مهماً من عوامل التطوير والإخصاب لحامليها. ويزداد الأمر سوءا حينما تنتقل تلك الهوية من مستوياتها المرنة المتسامحة إلى مستوياتها الجامدة الرافضة للجماعات الأخرى.

فما يقوم به اليهود في فلسطين هو أسوأ الأشكال تطرفا في التعامل مع الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ، وهو تعبير عن أشد أشكال الهويات دموية وإبادة للآخر.

وإذا كانت الممارسات اليهودية الإسرائيلية ممارسات واضحة في أشكالها العدوانية المتطرفة، فإن العالم العربي مشحون بهويات كثيرة بعضها معلن وبعضها غير معلن، تمارس أشكالا خفية عديدة ضد السياق الوطني العام. وما نشاهده الآن من صراعات في العراق ولبنان وغيرهما من الدول العربية، يكشف عن حجم الهويات المتصارعة والمتنازعة والمنشقة في عالمنا العربي المعاصر.

ورغم أحقية كل جماعة عرقية كانت أو دينية أو أيديولوجية في تبني ما يحلو لها من هويات وأن تدافع عنها، إلا أن الخطورة تظهر حينما تتحول تلك الهويات إلى أحقاد دفينة ومشاريع انفصالية واتصالات تخابرية خارجية.

ورغم أن موضوع الهويات في العالم العربي موضوع معقد وشائك، إلا أنه من الضروري الوقوف عند جوانبه المختلفة، وأبرزها هنا الوقوف عند الكيفية التي تتم من خلالها صناعة تلك الهويات وإحياؤها من جديد، حتى ولو كانت ضد السياق العام، أو مدمرة له.

لا تصنع الهويات من خلال الأفراد العاديين، الجمهور المتلقي البسيط، لكنها ترتبط غالبا بالقادة الفاعلين. ففي عالمنا العربي يلعب رجال الدين دورا كبيرا ومؤثرا في هذا السياق، سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين.

ورغم أن رجال الدين يقومون بأدوار هامة في مجال التركيز على الجوانب الدينية، سواء أتم ذلك من خلال رؤى رجعية أو تقدمية، فإنهم من خلال هيمنتهم شبه المطلقة على العامة يلعبون أدوارا بالغة الرجعية في إحياء الجانب السيئ من الهويات الخاصة بأتباعهم. وتزداد حدة هذه الأدوار إذا ما كان الأتباع ينتمون للأقليات التي قد تواجه أقدارا متفاوتة من المظالم والتمييز المختلفة.

وفي ظل مستويات عالية من الأمية في عالمنا العربي، فإن رجال الدين يؤثرون بدرجة غير مسبوقة على أتباعهم، إلى الحد الذي يصل لحدود قداسة بالغة المستوى وتتنافى مع التعاملات البشرية العادية. وهناك العديد من الأمثلة لهذه النوعية من رجال الدين، سواء بين المسلمين أو المسيحيين.

وفي هذا السياق يلعب رجال الدين على ما يدغدغ مشاعر الأتباع، وعلى ما يحيل تلك الهويات من جانبها اليومي التاريخي القابل للتطور والتعديل، إلى جانبها السرمدي الثابت والمقدس.

وفي ظل تلك الحالة من الخدر اللذيذ، وفي ظل ضغوط الحياة اليومية تتحول المواعظ الدينية إلى مقدسات تستولي على عقول الأتباع، وتحيل خطب رجال الدين إلى مقدسات يجب اتباعها وعدم التعارض معها.

وخطورة هذا السلوك أنه يخلق تلك الهويات ويدعمها ويؤسس لها وهو يعي تعارضاتها الوطنية وما تخلقه من عداءات مع الجماعات الأخرى. ومن هذا المنطلق فإن بعض رجال الدين ممن يقعون على قمة الهرم الديني لأتباعهم يتحولون، وبالطبع هم يعون ذلك، من الوضعية الدينية إلى الوضعية السياسية، أو يمارسون كلا الدورين في الوقت نفسه. فيؤكدون على الجانب الديني حينما يريدون ذلك، ويتماحكون مع الجانب السياسي حينما يرغبون في ذلك.

ولا يستطيع رجال الدين وحدهم القيام بإحياء تلك الهويات المغرضة بأنفسهم، حيث تساعدهم ترسانة ضخمة من المثقفين التابعين لهم. ومن اللافت للنظر هنا ذلك التلاقي الغريب بين رجال الدين وبين المثقفين الذين ينتمون لمشارب وتوجهات فكرية مختلفة، أو بلغة أدق هم يدعون ذلك. فبعض المثقفين يتبنون اتجاهات فكرية معينة غطاء لتوجهات وانتماءات دينية خفية.

فعلى سبيل المثال هناك العديد من الليبراليين الجدد الذين تقطر كتاباتهم بإضفاء قداسات على رجال دين بعينهم، أو الإشادة بحكمتهم أو التطبيل والتهليل لكتاباتهم المختلفة. بل إن بعض المواقع على صفحات الإنترنت تم تشييدها من أجل نشر كتابات رجال الدين والتفسير الساذج لهذه الكتابات والدعوة لها.

تساعد البنيات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي بدرجة كبيرة على تزايد تلك النزعة المؤسفة المرتبطة بتهييج مشاعر الهويات والتكريس لها والاستفادة من الجماهير الغوغائية. ففي ظل مستويات عالية من الأمية والفقر وغياب منظومة شاملة وجامعة لحقوق الإنسان والمواطنة، يقوم رجال الدين بما يقومون به، تدعمهم في ذلك ترسانة واسعة النطاق من المثقفين، سواء أكانوا يعيشون بيننا أو بين رحاب الغرب الذي يدعمهم، ويروج لمسائل الأقليات والهويات في عالمنا العربي بدرجة غير مسبوقة.

وإذا كان الواقع العربي يتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية حول تلك المشاعر الدفينة المغرضة للنبش في مسألة الهويات، فإن من يقومون بذلك يساعدون من حيث لا يدرون على الإضرار بالوطن الذي ينتمون إليه، وإنتاج كوارث مستقبلية جديدة.

فالعزف شبه اليومي على مسألة الهوية يخلق مواطنين يتسمون بالعنف والكراهية لكل ما يحيط بهم. ويمكن أن نشاهد ذلك فيما يحدث في العراق ولبنان، وما يمكن أن يحدث في مصر والسودان والجزائر وغيرها من الدول العربية.

فإذا كان البعض يثير مسألة الهويات من أجل البحث عن حقوق معينة، وعن خلق منظومة إنسانية عادلة فهذا مشروع جائز، أما حينما تتحول تلك المسألة لمشروع يهدف إلى إعادة رسم جغرافية دول المنطقة، فإنها سوف تؤدي لا محالة إلى خلق أجواء كثيرة من الصراعات والحروب.

إن صناعة الهويات يجب أن ترتبط بالبحث عن صيغة للتعايش والتصالح والتسامح، ولا يجب أن تتوهم تغييرات جغرافية جديدة، مصحوبة بأحقاد تاريخية وضغائن خفية وحقوق مستلبة. فإن مشاعر الكراهية أول ما تضر فإنها سوف تضر أصحاب تلك الهويات، وتصيبهم أنفسهم من حيث لا يعلمون.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com