المخاوف الروسية تنبع أساساً من أن نشر النظام الصاروخي الأميركي المزمع إنشاؤه في شرق أوروبا بنصب صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية ونصب رادار في الأراضي التشيكية سيطيح بالتوازن الاستراتيجي العسكري بين الطرفين، وسيجعل من الغرب الروسي مكشوفاً تماماً أما دائرة النار الأميركية.
حيث تسعى واشنطن وحلف الناتو بشكل عام إلى التوسع شرقاً في نطاق القارة الأوربية، ونشر قوات عسكرية على الحدود الروسية، وضم الدول المجاورة لروسيا لصفوف الحلف مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا، بعد أن تم ضم جمهوريات البلطيق الثلاثة (لاتفيا، ليتوانيا، أستونيا) والعديد من دول حلف وارسو السابق.
عدا عما يحمله المشروع الأميركي لنظام الدرع الصاروخي من بعد ذي مغزى سياسي يتعلق بسعي واشنطن لتحجيم الدور الروسي، والاستمرار في إقصاء روسيا وتحطيم هيبتها وحضورها في الميدان الدولي، وفرض حصار عليها.
ومع هذا، وفي سياقات الرد الروسي الممكنة على أي خطوات أميركية لتعزيز الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، يدرك الخبراء العسكريون الروس ويعرفون جيداً أن روسيا في الوقت الحاضر وفي ظل طموحاتها لاستعادة قوتها ومكانتها على الساحة الدولية بإمكانها أيضاً كيل «الصاع بالصاع أو صاعين» لواشنطن والقيام بخطوات لافتة في نصب صواريخ حربية من نوع «اسكندر» في أراضي بيلاروسيا مثلاً، رداً على نصب رادار وصواريخ اعتراضية أميركية في الأراضي التشيكية والبولندية.
كما إن الغرب وواشنطن يعرفون جيداً نوعية وجودة ودقة صواريخ «اسكندر» وهي عبارة عن صاروخ مجنح (كروز) يستطيع المناورة لمسافات طويلة، حتى إن إيقافه أو التصدي له يعتبر أمراً شبه مستحيل، وقد حققت تجارب متعددة جرت مؤخراً على إطلاقه نجاحات جيدة من حيث إصابة الأهداف المطلوب تدميرها على مسافة 500 كيلومتر وبمنتهى الدقة.
ولكن، رب قائل يقول بأن المرحلة المعاصرة لم تعد مرحلة المواجهات العسكرية، وهو كلام صحيح بدرجة عالية، وهو ما أثبتته أيضاً تجارب الولايات المتحدة الفاشلة في أفغانستان والعراق، إلا أن نشر نظام الدرع الصاروخي الأميركي على تخوم الغرب الروسي يشير بأن الأسلوب الحديث للمواجهة بدأ يأخذ أشكالا جديدة ومتنوعة.
بدءاً من التهويل والتخويف والابتزاز العسكري والتلويح بالسلاح الاستراتيجي وتكنولوجيا التفوق العسكري، إلى أساليب الحصار السياسي مرورا باستخدام الأدوات الاقتصادية. فالمخاطر ستبقى قائمة بكل الحالات، أمام الرعب الناتج عن الإفراط في نشر العتاد الثقيل المرعب في أرجاء مختلفة من المعمورة.
أخيراً، لقد نجحت روسيا نسبياً في تحقيق خطوات ملموسة ونوعية في انتقالها من مرحلة التفكك والانهيار والضياع بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1990، وأصبحت في وضع حالي يختلف كلياً مقارنة بمرحلة حكم الرئيس السابق بوريس يلتسين، فلم تعد روسيا تبحث عن بضعة مليارات من الدولارات لحل أزماتها الاقتصادية، وقد لا تكون في موقع فرض إرادتها كقوة عظمى.
إلا أنها عادت بالتأكيد طرفاً دولياً مؤثراً لا يمكن تجاهل مصالحه في نطاق العالم والسياسة الدولية، كما تحاول واشنطن منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وولادة القطبية الأحادية. وعليه، فإن موسكو في خطواتها السياسية ومجمل علاقاتها الدولية، تدرك الآن ضرورة وقف الاستقطاب الأحادي في العالم الذي استهدفها قبل غيرها.
حيث عملت واشنطن على تسجيل شروطها على كافة الأطراف الدولية، وتقزيم مصالحها بصرف النظر عن مصالح الآخرين. كما تعي موسكو أيضاً بأن بناء العالم متعدد الأقطاب لا يمكن أن يتم ببساطة، بدون صراعات سياسية وأكثر من سياسية في لحظات معينة، وأن مرحلة المواجهة السياسية ولو الهادئة تمثل السبيل لردع سياسات بعض الأطراف الغربية التي تمنح نفسها بالشراكة مع واشنطن حقوقاً أكبر من حجمها على الساحة الدولية.
كاتب فلسطيني