لو أمعنا النظر في مضمون مشروع «الإخوان المسلمين» نجد أنه يخاصم في جوانب كثيرة منه رؤى وأفكار وتصورات المصلح الديني الكبير الأستاذ الإمام محمد عبده، لكن هذه الجماعة الأكبر والأقدم بين فصائل حركة «الإحياء الإسلامي» اقتبست من الإمام بعض أساليبه ومواقفه في تفضيله «التربية» على «الثورة» وتغليبه الحذر والتردد والتقلب في السياسة على المغامرة والإقدام والثبات، إلى الدرجة التي أغاظت أستاذه جمال الدين الأفغاني منه فكان ينهره قائلا: «كن فيلسوفا يرى العالم ألعوبة، ولا تكن صبيا هلوعا».
لكن الإخوان جمعوا في ارتدادهم عن مشروع عبده فكرا وطريقة على حد سواء، في المسألة المتعلقة بالكتلة الاجتماعية التي تعقد عليها الآمال في الإصلاح والتغيير والنهضة.
فالإمام كان يعول في هذا على «النخبة»، فأولاها جل اهتمامه، وأشاح بوجهه وفكره عن «العوام» التابعين، ليس تأففا منهم، ولا تنكرا لحقوقهم، بل إشفاقا عليهم، لأنهم أوهن إرادة من أن يتحملوا عبء التغيير، الذي يجلب المشقة والعناء لمن يحملون لواءه. أما الإخوان فمنذ اللحظة الأولى لتأسيس جمعيتهم قبل جماعتهم، وهم يضعون الجماهير نصب عيونهم، ويعتبرون هذا في صلب إستراتيجيتهم للتمدد الاجتماعي وحيازة القوة.
وبحلول عام 1945 وجهت الجماعة جل جهدها للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، فأسست شركات تجارية ربحية، استقطبت بها قطاعا من الطبقة العاملة، وبنت مقار ومساجد وأقامت معسكرات للكشافة وأنشأت مدارس، زودتها الحكومة بمساعدات مالية وكتب مجانية وقرطاسية. وفي زمن قياسي أصبح للجماعة خمسون فرعا في شتى ربوع مصر، وصل عددها إلى ألف قبيل حل الجماعة.
وساهم الإخوان من خلال هذه الفروع في محو الأمية، ومكافحة مرضى الكوليرا والملاريا اللذين تفشيا في مصر وقتها، وأسس الإخوان خمسمئة فرع للخدمات الاجتماعية، فضلا عن عيادات ومستشفيات.
والتفت البنا إلى المرأة فأسس منظمة نسائية «فرع الأخوات المسلمات» وصل عدد عضواتها إلى ما يربو على خمسين ألف امرأة، وهو عدد كبير قياسا إلى ظروف النساء في هذا الزمن من ناحية، وعدد سكان مصر الإجمالي من ناحية ثانية.
ولم تتخل الجماعة عن دورها الاجتماعي هذا بعد قيام ثورة يوليو، بل عززته، حتى أنها كانت الأسرع من الحكومة في نجدة ضحايا الزلزال الذي ضرب مصر في أكتوبر من عام 1992، وقدمت إليهم خدمات حقيقية، لفتت انتباه الجميع، فتيقن الكل من مدى التماسك التنظيمي للجماعة، وقدرتها على إدارة الأزمات، وتعبئة كوادرها في أوقات الشدة.
وتعتمد الجماعة في تحركها هذا على تصورها لنفسها ودورها إذ تعرف ذاتها بأنها «دعوة سلفية، وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية و رابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية».
لكن اهتمام الإخوان بالجماهير لا يزال ناقصا، فالجماعة إن كانت تقوم بدور كبير في تطبيب العوز الاجتماعي، فإنها لم تعن كثيرا بإبداع رؤية نظرية لدورها الاجتماعي هذا، وكان بإمكانها أن تستفيد في ذلك المضمار مما أبدعه سيد قطب في كتابه الأثير «الإسلام والعدالة الاجتماعية».
كما لم تهتم الجماعة بالانخراط في صفوف الكيانات والقطاعات التي تمثل الطبقة الشعبية المصرية، مثل العمال والفلاحين إلا مؤخرا عبر محاولتها الاشتراك في الانتخابات العمالية، والتي أجهضها النظام بتدخله الأمني السافر في مجريات هذه الانتخابات، بما حرم الإخوان وغيرهم من قوى المعارضة من خوضها على الوجه الأكمل.
ولم تفلح محاولة الإخوان بالتعاون مع المعارضة اليسارية من إنشاء اتحاد عمالي مواز للاتحاد القائم حاليا، والذي يوالي السلطة تماما.
وكان بوسع الإخوان أن يهتموا أكثر بالقوى العمالية والفلاحية، مستفيدين من الإبداع النظري الذي أنتجه جمال البنا حول «النقابية في الإسلام»، لاسيما أن هذه القوى هي المرشحة لممارسة أكبر قدر من الاحتجاج ضد السلطة، ردا على مشروع الخصخصة الذي يجور على حقوق العمال، ولا يؤمن لهم مستقبلهم، ومشروع إعادة الأرض الزراعية إلى ملاكها القدامى، في ظل القانون الجديد للعلاقة بين المالك والمستأجر، وتصفية الإصلاح الزراعي الذي استفاد منه ملايين الفلاحين في شتى ربوع مصر، أيام الرئيس جمال عبد الناصر.
وبوسع الإخوان أن يستفيدوا من كونهم قوة المعارضة الرئيسة في البرلمان المصري في تبني مصالح وقضايا هذه الفئات الاجتماعية، مما يكسب الجماعة شعبية كبيرة، خاصة في ظل إصرار الحكومة على المضي قدما في الخصخصة وحديثها المستفيض عن أن «الفقراء يجب أن يدفعوا ثمن الإصلاح الاقتصادي»، وظهور تناقض جلي بين الكلام عن الاهتمام بـ «محدودي الدخل».
وبين السياسات والإجراءات العملية التي تنال منهم إلى أقصى حد. لكن الواقع يبين ـ حتى هذه اللحظة ـ أن مصالح هذه الطبقات لم تحظ باهتمام كبير في أداء نواب الإخوان في البرلمان، وإذا استمر الإخوان في هذا التجاهل النسبي لهذه المصالح فإن خسرانهم لأصحابها سيستمر قائما في المستقبل المنظور، ومن ثم ستتأثر سلبا قدرات الجماعة على التمدد في رحاب المجتمع المصري، بمختلف ألوانه وشرائحه وفئاته.
وفي المشهد السياسي الأخير حصدت الجماعة ثمار رهانها على الجمهور، واشتراكها الواضح في تطبيب عوزهم، فحصلت على ثمانية وثمانين مقعدا في الانتخابات التشريعية التي شهدتها مصر في أواخر عام 2005، ولو سارت الانتخابات بنزاهة نسبية مثل تلك التي شهدتها المرحلة الأولى من هذه الانتخابات ربما حصل الإخوان على مئة وعشرين مقعدا من بين مئة وخمسين فقط تنافسوا عليها، تمثل ثلث قوة البرلمان، المكون من أربعمئة وأربعة وخمسين مقعدا.
وهذا الوضع جعل كثيرين من أهل الرأي والفكر يراهنون على أن الإخوان بوسعهم أن يفوزا بأغلبية مريحة في أي انتخابات نزيهة مقبلة إن طرحوا مرشحيهم في كل الدوائر الانتخابية.
لكن الرهان على الجمهور الذي أوصل الإخوان إلى هذه المرتبة، كان دوما على حساب الاهتمام بالنخب، بأصنافها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية... الخ.
وقد اكتفت الجماعة بنخبتها الخاصة، إذ إن من بين أتباعها والمنضوين تحت لوائها والمنتسبين إليها أو حتى المتعاطفين معها من ينتمي إلى هذه النخب جميعا. وفي المقابل اعتمد الحزب الوطني الحاكم على استقطاب هذه النخب من خلال الجهاز البيروقراطي للدولة وخزانتها ووسائل التسيير والإدارة التي تمتلكها، وأدوات الحماية التي تحوزها.
وفي وقت كانت جماهيرية الحزب الحاكم تتآكل بشكل منظم كانت النخب تسند النظام بكامل طاقتها، إما طمعا في الاستفادة من المنح والعطايا التي يقدمها، أو استفادة من تواطؤ الدولة مع مطامح ومطامع قطاعات من هذه النخب. وعلى النقيض كانت جماهيرية الإخوان تتنامى بشكل لافت، لا تخفي على كل صاحب بصر أو بصيرة، بينما يرتفع الجدار بين الإخوان وبين هذه النخب، نظرا لعدم تقديم الجماعة ما يطمئن هؤلاء حيال «مدنية الدولة» و«حرية التعبير» و«أمن الوطن».
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة