هناك الحل، وهناك «تطبيق الحل»، وهما أمران مختلفان ومنفصلان، هذه هي رؤية إيهود أولمرت للعملية التفاوضية الجارية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وقول أولمرت هذا لم يتسرب من اجتماع سري مع مجلس وزرائه أو مع جورج بوش، فرئيس الحكومة الإسرائيلية كان يخاطب البرلمان الإسرائيلي علنا وقد تركزت عليه الميكروفونات والكاميرات الإعلامية.

وحديث أولمرت مهد له تصريح من المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية.. حيث قال المتحدث: «إسرائيل لن تقبل أي اتفاق ليدخل حين التنفيذ إلى ان تعتبر ان السلطة الفلسطينية أوفت بالتزاماتها بموجب خريطة الطريق والتي تقضي بشن حملة صارمة على الناشطين».

والناشطون بالطبع هم كوادر «حماس» وأخواتها من فصائل المقاومة، والتعميم الذي ورد على لسان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية تناوله أولمرت بشرح تفصيلي.

أولا: قال أولمرت: لست واثقا من ان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق.. ولست واثقا من ان بإمكاننا تطبيقه، وإذن فالاتفاق شيء.. وتطبيقه على الأرض شيء آخر.

ولكن كما هو واضح فان أولمرت يشكك حتى في احتمال ابرام اتفاق مع الفلسطينيين ولو على الورق، وإزاء هذا الموقف لا يملك أي مراقب موضوعي إلا ان يستشعر اعجابا بصراحة هذا الزعيم الإسرائيلي خاصة إذا استعدنا إلى الأذهان ما سبق أن صدر عن أولمرت وكبار مساعديه من أن إسرائيل لن تطبق أي اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني طالما واصلت حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة. فالتطبيق سيكون هنا بمدى قدرة رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن على استعادة سيطرة السلطة على القطاع.

بكلمات أخرى فان ما تهدف إليه إسرائيل من خلال العملية التفاوضية هو حمل رئاسة السلطة الفلسطينية على تقديم تنازلات جسيمة لتوافق السلطة أخيراً على مشروع لكيان فلسطيني خاضع للسيادة الإسرائيلية يطلق عليه «دولة» لا يحمل من مواصفات الدولة المستقلة إلا اسمها فقط.

لكن ماذا لو وافق الجانب الفلسطيني على هذا المشروع الهزيل؟

إسرائيل اتخذت الحيطة مقدما تجاه هذا الاحتمال: سيوقع الجانب الإسرائيلي على وثيقة المشروع مع الجانب الفلسطيني. لكن حينئذ سيقول الجانب الإسرائيلي للجانب الفلسطيني ما يكرره الآن إيهود أولمرت: الحل شيء.. وتطبيق الحل شيء آخر، ومعنى ذلك أن الوثيقة سوف توضع على الرف الإسرائيلي إلى أن تتمكن السلطة الفلسطينية من إنجاز مهمة القضاء على «حماس» وفصائل المقاومة الوطنية الأخرى نهائياً ومهمة استرداد قطاع غزة.

هل هي لعبة خبيثة وذكية؟

خبيثة.. نعم، لكنها ليست ذكية تماماً.. لأنها مكشوفة.. وهي مكشوفة لأنها مبنية على فرضية معلومة للملأ وهي عجز الطاقم القيادي للسلطة الفلسطينية.

هنا نجد أنفسنا إزاء مشهد عجيب يجمع بين مجرم سارق «إسرائيل» وشريك في الجريمة «أميركا» وضحية (السلطة الفلسطينية) ووجه الغرابة هو أن السارق يتبجح بجريمته غير مكترث بإخفاء المسروق. وشريك الجريمة يؤيده علنا، أما الضحية فإنها ترى كل ذلك أمامها ولا تفعل شيئا سوى مناشدة المجرم وشريكه.

وأعجب من ذلك أن للضحية شقيقا يصمم على استرداد المسروق بالقوة فتحاربه الضحية بناء على رغبة المجرم وشريكه!