المهمة التي استأنفها الأمين العام للجامعة العربية في لبنان، ليست كالسوابق من جولاته، في دوامة أزمة هذا البلد. هي، طبعاً تعطي شحنة أمل جديد، في العثور على المخرج المنشود. أو أي مخرج، لالتقاط الأنفاس. لكنها هذه المرة قد تكون غير قابلة للترحيل والتجديد؛ إذا ما انتهت إلى ما كانت تنتهي إليه زياراته الماضية إلى بيروت. لحظتها فاصلة ومياه المرجل اللبناني تقترب من الغليان. وهكذا هي أيضاً درجة حرارة روافدها الإقليمية.

الأمين العام نفسه وصف الوضع بالخطير. قال إن الساعة تقترب من منتصف الليل. كلامه غير المسبوق، أراده ـ على ما يبدو ـ رسالة تحذيرية صريحة؛ بأن مساحة الوقت والفرص تقترب من نقطة التلاشي. على الأقل بالنسبة للتعريب وخياره المطروح. يعزز هذه الرسالة، ما صدر وحصل عشية عودة موسى إلى لبنان؛ بدءاً من تحذير الرئيس المصري وانتهاء بالتفجير الأخير في بيروت؛ مروراً بتعنيف حدّة التراشق السياسي بين ضفتي الأزمة اللبنانية؛ فضلاً عن بعض الإشارات التي بدأت تتوالى من داخل الساحة.

وبالذات في بيروت، رافق ذلك وواكب وصول الأمين العام إلى بيروت، تزايد في درجة التأزيم الإقليمي، المتصل بالوضع اللبناني ومحاولات العثور على صيغ قادرة على تسويق الحل العربي. فهذا الأخير غرق، على ما بدا، في التفاصيل؛ التي كان يخشى الوقوع فيها والتي أدت إلى إفشال مهمة الأمين العام الأخيرة؛ الأسبوع الماضي.

اليوم هو يعود وفي جعبته، كما يتردد، صيغة أو «خطوة ما»، بعد الاتصالات العربية والدولية، التي أجراها؛ خلال الأيام الفاصلة بين الزيارتين لبيروت. كما من المقرر أن يزور دمشق اليوم؛ ثم يعود إلى العاصمة اللبنانية. ثمة ما يشير إلى أن الأمور تتحرك بسرعة وبإصرار على تسويق التعريب. وثمة ما يشير أيضاً إلى وجود مناخ ضاغط. من الضروري أن تتقلص في ظله رقعة المناورة ولعبة العض على الأصابع، فالمسألة باتت أخطر من أن تبقى في هذه الدائرة.

القمة العربية ـ الأسبوع الثالث من مارس المقبل ـ على الأبواب، وجلسة البرلمان اللبناني لانتخاب الرئيس العتيد صارت مؤجلة 13 مرة. يوم الاثنين المقبل الموعد الجديد؛ وهو مرشح للتأجيل 14، إذا تعذر التوافق على الانتخاب.

الأخطر من ذلك أن نغمة التدويل باتت تتردد كبديل عن التعريب؛ إذا استعصى تمرير هذا الأخير. والتدويل مجازفة مشحونة بالألغام ومحفوفة بالمخاطر؛ إذا دُفع لبنان إلى هذا الخيار. خاصة أن ما كان متداولاً بالهمس، بخصوص المخاوف من هبوب رياح الفتنة، بات يقال علناً، من باب التحذير؛ وعلى لسان مراجع ومسؤولين؛ لابدّ وأن يؤخذ كلامهم على محمل الجدّ؛ مثل قائد الجيش والمرشح الرئاسي التوافقي، العماد سليمان.

لم يسبق لهؤلاء أن تحدثوا بمثل هذه اللغة، في السابق وإذا كان ذلك يؤشر إلى شيء، فهو أن الأزمة باتت تدنو وبسرعة، من ضفاف ماعونها. أي أنها باتت تقترب من نقطة الفيضان على الضوابط التي كفلت حتى الآن حصرها تحت السيطرة. عوامل كثيرة ومتداخلة تنذر بدفع الأوضاع إلى هذه النقطة.

وهنا تكمن الأهمية الحيوية لمهمة الأمين العام ووجوب توفير عناصر النجاح لها. فأن تنتهي خائبة، يعني أن تكون الأخيرة، في إطار التعريب. المسؤولية اللبنانية والعربية مضاعفة، في هذه اللحظة، لاجتناب المزيد من التعقيد والتصعيد والاكلاف؛ التي لم يعد بوسع الوضع العربي أو اللبناني دفع المزيد منها.