لقاء الرئيس حسني مبارك والرئيس الأمريكي جورج بوش أمس في شرم الشيخ جاء ليؤكد عدة حقائق يعرفها الطرفان جيدا, أولها ـ وعلى رأسها ـ أن علاقة البلدين( مصر وأمريكا) علاقات استراتيجية مهمة جدا لكلتا الدولتين.
وكأي علاقات بين دولتين مهمتين فإنها تتسع لتحتمل كل وجهات النظر واختلاف الآراء.
وهذه العلاقة تقوم علي عدة أسس يجب ألا ننساها أبدا وربما يكون الأساس الأهم أنها علاقة بين قوتين, إحداهما هي الكبرى في المجتمع الدولي الآن وحتى إشعار آخر, والثانية هي أهم قوة إقليمية في الإقليم العربي الآن مهما يزايد المزايدون أو يشكك المتشككون، ويترتب على تلك الحقيقة نتيجة واضحة وضوح الشمس هي أن كلتا الدولتين لا يمكن لإحداهما أبدا أن تستغني عن الأخرى.
وقد يكون من المفيد هنا أن يطرح السؤال التالي: هل يمكن لواشنطن مثلا أن ترسم سياساتها في الشرق الأوسط دون وضع الثقل الاستراتيجي لمصر في الاعتبار؟
وعلي الجانب الآخر: هل يمكن لمصر أن تمضي في ممارسة دورها الإقليمي دون أن تضع مصالح وآراء وقوة أمريكا في الاعتبار؟ والاجابة واضحة, وإلا نتحول من الحديث في السياسة إلى الحديث في الشعر والرومانسية والأوهام! إن للسياسة لغتها المعروفة بعيدا عن الشعارات البراقة والتحليق الخيالي ولغة الأحلام!
أما الأساس الثاني في العلاقة فهو أن كل الدنيا تتعامل الآن مع أمريكا, بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا.. بل وحتى الدول التي تصرخ في وجه واشنطن تتعامل معها بدرجة أو بأخرى!
ومن يرد أن يتأكد فليقرا تطورات العلاقات الدولية هذه الأيام, خاصة ما بين السطور! فإلى الداعين إلي قطع هذه العلاقات الاستراتيجية المهمة مع القوة العظمي الأولى في المجتمع الدولي الآن: أرجوكم لا تتسرعوا في إطلاق مدافع الكلام!
والأساس الثالث في العلاقة هو أنه ليس من حق طرف أن يفرض على الطرف الثاني أجندة معينة, وبرنامج عمل محددا, يجب عليه تطبيقه بحذافيره،وهنا فإنه لا يصح مثلا أن يتصور أحد الطرفين أن نظامه الداخلي هو الأفضل, وبالتالي فإن على الطرف الثاني تغيير قيمه وعاداته وتقاليده لتصبح صورة طبق الأصل من قيمه وعاداته وتقاليده هو.. إن هذا هو المستحيل بعينه.
ومن ثم لا ينبغي أبدا ربط نجاح العلاقة بانصياع الآخر لك انصباعا تاما.. هذا لن يكون!
والنتيجة المنطقية المترتبة على هذه الحقيقة هي أن الحديث عن فرض نموذج معين للديمقراطية على شعوب دول أو منطقة ما هو نوع من العبث لأن الشعوب ليست آلات صماء يتم تحريكها بضغطة زر هنا أو هناك!
وأما الأساس الرابع لعلاقة الطرفين ـ مصر وأمريكا ـ فهو أن الاقتصاد ـ على أهميته ـ يظل أحد تكوينات العلاقة, وليس المكون الوحيد لها، نعم نعترف بأهمية الولايات المتحدة للاقتصاد المصري, بالضبط مثلما الاقتصاد الأمريكي مهم لكل اقتصاديات دول العالم الأخرى.. لكن ذلك يتم في إطار من الاحترام المتبادل للسيادة والإرادة السياسية وليس في إطار إلغاء هذه السيادة!
وبطبيعة الحال فإن موضوع المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر يجب النظر إليه في هذا السياق.. وإذا كان لبعض النوّاب والشيوخ في الكونجرس الأمريكي رأي ما في هذه المساعدات فإن لهم الحق في أن يتصوروا ما يشاءون
لكن يبقي أن الادارة الأمريكية هي التي تعرف وتحدد مدي أهمية هذه المساعدات لخدمة العلاقات الأمريكية المصرية، وقد أعلنت الادارة أكثر من مرة أن موضوع المساعدات لا يمكن أن يكون مجالا للضغط علي مصر, وأنها لا توافق هؤلاء النوّاب والشيوخ آراءهم المتعلقة بهذا الموضوع, بل إن هؤلاء النواب الأمريكيين عندما يأتون لمصر لزيارتها يدركون مدى أهمية مصر لهم ولبلادهم, وأنهم لم يكونوا على علم كاف بموضوع المساعدات هذا.
على أي حال فان كلمات الرئيس بوش أمس, عندما استقبله الرئيس مبارك أكدت كل هذه المعاني, حيث قال بوش إنه يعرف جيدا أهمية مصر, وأنها حجر الزاوية في المنطقة في عملية السلام, وفي مكافحة الارهاب, وفي قيادة مسيرة الديمقراطية.
وعكست الحفاوة التي استقبلت مصر بها الرئيس الأمريكي, وكذلك الود والسعادة اللذان أبداهما بوش خلال محادثاته مع الرئيس مبارك مدي إدراكه أهمية هذه الدولة التي يزورها.
ومن ثم فإن المردود النهائي لهذه الزيارة أنها وضعت نقاطا كثيرة فوق الحروف لنخرج في النهاية بحقيقة بديهية هي أن كلتا الدولتين لا يمكن لإحداهما الاستغناء عن الأخرى!
