يشكل حرص الملك عبدالله الثاني على مطالبة الأمن العام بالتصدي لمشكلة تفاقم حوادث السير في الأردن قوة دافعة أخرى ليس فقط للمؤسسة الأمنية بل لكل المواطنين على التعامل بمنتهى الجدية والحرص مع سلوكيات قيادة المركبات ورفض كل أنواع التجاوزات التي تهدد حياة المواطنين الأبرياء.

سلط الإعلام الأردني الضوء بشكل واضح خلال الأيام الماضية على مأساة دهس طالب نتيجة قيادة متهورة لسائق تخلى عن أخلاقه في القيادة وعن ضميره بعد الاصطدام بالطالب عندما ولى هاربا، وهذا التركيز ساهم بشكل كبير في توعية المواطن الأردني بالنتائج المأساوية المترتبة على التهور في القيادة والتي دفع ثمنها الطالب المرحوم إضافة إلى حوالي 800 قتيل آخر خلال العام الماضي بسبب حوادث السير ناهيك عن آلاف الجرحى والأضرار المادية الكبيرة.

من الضروري التفكير بكل الطرق الممكنة لإيقاف هذه الجرائم التي تحدث يوميا في الشوارع، التشريعات عنصر اساسي للوقاية ومن الضروري وجود غرامات حازمة فالكثير من دول العالم لم تستطع التصدي للحوادث القاتلة إلا من خلال تشريع حازم يتضمن غرامات كبيرة، وقد ظهرت النتائج الإيجابية لهذه التشريعات في الكثير من الدول ومنها الدول العربية مثل قطر والإمارات ويمكن دراسة هذه التجارب محليا.

بالتأكيد ليس المطلوب وجود قانون للجباية يساهم في المزيد من الضغوطات المالية على المواطنين ولكن لا يمكن ايضا السماح بالتساهل في تطبيق القانون.

من المهم التركيز على العقوبات التي تعالج المخالفات المتحركة الخطرة التي تتسبب بالحوادث مثل السرعة الزائدة وتغيير المسارب بدون تنبيه وعدم إعطاء الأولوية واستخدام الهاتف النقال اثناء القيادة وهي مخالفات من الصعب ضبطها ولكنها السبب الرئيسي وراء معظم الحوادث وتحتاج إلى جهد كبير للمراقبة وربما من خلال كاميرات ثابتة.

التوعية مهمة ، ولكنها أداة وليست هدفا بحد ذاته وهي يمكن أن تكون وسيلة لتثقيف الناس بخطورة التهور وكذلك بنوعية الغرامات والعقوبات المترتبة على المخالفات ولن تكفي وحدها لردع المخالفين، فالسائق المتهور ليس جاهلا بقواعد السير بل في واقع الأمر يتجاوز القانون لإحساسه بعدم وجود مساءلة كافية ليدفع ثمن تهوره.

نحن بحاجة إلى حوار وطني جاد ويهدف في نهاية الأمر إلى تطوير منظومة تشريعية وتثقيفية وتكنولوجية متكاملة للتقليل من حوادث السير وخاصة المخالفات الخطرة، مع التأكيد على تحسين البنية التحتية للشوارع وأماكن تحرك المشاة والإشارات المرورية لمساعدة السائقين ايضا على تحمل المسؤولية في القيادة الحكيمة.

نفقد في الأردن الكثير من الأبرياء من أصدقائنا وأحبائنا نتيجة حوادث السير ولا يليق ببلد متقدم ومتطور يفخر بمواطنه وبتعليمه وثقافته أن يعاني بهذه الطريقة من القيادة المستهترة، ولهذا فإن معالجة ومحاربة حوادث السير باتت قضية أمن وطني وليس مجرد تحدي عابر يواجهنا وتحتاج إلى الحزم والتصميم والتفكير الخلاق لأن الوقاية دائما هي أفضل من العلاج.

وفي معظم الحالات لا يمكن علاج الآلام والأحزان التي يسببها فقدان فرد من العائلة أو الأحباء نتيجة حادث سير كان يمكن تفاديه ببعض الأخلاقيات في القيادة والسلوك القويم والكثير من الضوابط التشريعية التي لا تتساهل في تطبيق القانون على جميع المخالفين.