ليس غريبًا أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا منطقتنا جولات وزيارات بشكل متواصل، لرؤساء دول كبرى صاحبة عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي وذات تأثير في مسار السياسة الدولية.
حيث كانت منطقة الشرق الأوسط منذ القديم وحتى الآن، وستظل، بما تملكه من ثروات، مرتعًا خصبًا لتطلعات القوى الغربية في خدمة مصالحها وخاصة فيما يتعلق بالشق الاقتصادي الذي تعتبر السياسة والقوة العسكرية خادمتين له بشكل كبير وموفرتين الأرضية لنموه، والذي بفضله صارت تلك القوى الكبرى تتبوأ مكانتها على خريطة السياسة العالمية وتكون صاحبة الكلمة الطولى وقصب السبق.
على أن ما يميز الماضي عن الحاضر هو طريقة التعاطي والتعامل مع المنطقة من أجل الظفر بثرواتها التي يكلف الزعماء الغربيون أنفسهم عناء السفر وتجشم مشاقه في سبيلها.
وبعد اغتصاب فلسطين وزرع إسرائيل كسكين في خاصرة الوطن العربي، أصبحت القضية الفلسطينية وما جاء على أثرها من تسويات تحت مسمى عملية السلام، تمثل اليوم الأداة السهلة لتحقيق الأهداف والمصالح، كونها القضية المركزية للعرب، وذلك بدغدغة العواطف أو بالأحرى نسج حبال الكذب والخداع كانت نتيجتها حصد المزيد من الآلام والمآسي ودفع الأثمان الباهظة.
وفي مؤشر ليس على عودة الدفء للعلاقة بين اليورو والدولار أو أوروبا العجوز ـ حسب التصنيف الأميركي قبل غزو العراق ـ والقوة العظمى فحسب، بل عودة السباق على جني الغنائم عبر عقد العديد من الصفقات.
حيث كانت سبعة أيام أمضى كلها وبعضها في المنطقة كل من الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حبلى بالصفقات التجارية والعقود العسكرية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات واليوروهات.
لكن بحسابات الربح والخسارة نجد أن هناك مكاسب حققها الرئيسان بوش وساركوزي من جولتيهما إلى المنطقة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، فالرئيس الأميركي سعى من خلال هذه الجولة إلى تعزيز موقف حزبه (الجمهوري) خاصة وأنه الآن يخوض الانتخابات التمهيدية للسباق نحو البيت الأبيض، بعد أن أخذت مكانة الحزب وشعبيته تتداعيان بسبب الحرب على العراق وسقوط العدد الكبير من الخسائر البشرية والمادية.
فضلاً عن المشاكل التي أصيب بها الاقتصاد الأميركي، وهو ما أدى إلى خسارة الحزب في انتخابات التجديد للكونجرس وفوز غريمه ومنافسه الحزب الديمقراطي، وكذلك رغبته في تحقيق إنجاز في نهاية حياته السياسية، وهو إطلاق المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي في الحقيقة مفاوضات ظاهرها الحياد وباطنها الانحياز الأميركي لإسرائيل، دون السماح بالتوسط لأي طرف خارجي في تلك المفاوضات.
بالإضافة إلى ضمان أمن إسرائيل والاعتراف بها كدولة يهودية، ومحاربة ما يسمى الإرهاب والتأكيد على بقاء الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، وأيضًا محاولة بوش تشكيل جبهة عربية مع إسرائيل في مواجهة ما يسميه الخطر الإيراني الذي أراد أن يمزق به وشيجة العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجيرانها العرب.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن بوش يأمل في أن يحرك اقتصاد بلاده المتداعي جراء الحروب التي يشنها بالصفقات التجارية والعقود العسكرية الضخمة التي وقعها مع الدول الخليجية، ومطالبتها بضرورة العمل على خفض أسعار النفط قائلاً إن ارتفاعها سوف يؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد الأميركي.
الرئيس الفرنسي من جانبه استطاع هو الآخر أن يحصل على حصة كبيرة من الكعكة الخليجية، إذ وقع عدد من الشركات الفرنسية عقودًا في مجال الطاقة والمجال العسكري، ومن المتوقع أن توقع أيضًا عقودًا ضخمة في الأشهر القادمة، وبذلك يكون ساركوزي الذي تشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض شعبيته بسبب ضعف الأداء الاقتصادي لبلاده، تمكن من إنعاش الاقتصاد الفرنسي.
ومع ذلك ورغم الأهمية الحيوية البالغة التي تمثلها المنطقة بالنسبة للغرب عامة ولفرنسا والولايات المتحدة الأميركية بصورة خاصة والتي عكستها نتائج زيارتي بوش وساركوزي لها والتي أسفرت عن توقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية بعشرات المليارات من الدولارات واليوروهات، فإن نظرتي هذين الرئيسين لمشاكل المنطقة بقيت في إطار النظرة الإسرائيلية لها ورؤيتهما لحل هذه المشاكل هي نفس النظرة الإسرائيلية.
مما يعكس عدم الاكتراث ليس بالحقوق العربية فحسب، بل وحتى استعدادهما للتفريط بمصالح بلديهما بشكل تام، مجسدين بذلك حتمية أن يتحول الربح المؤقت الذي جنياه إلى خسارة دائمة، إذ إنه مع استمرار هذه السياسة الممالئة لإسرائيل فإن الرغبة العربية بالحفاظ على العلاقة مع بلديهما قد تفقد عوامل استمراريتها، فما من عربي مستعد للتفريط بحقوقه الوطنية والقومية من أجل إسرائيل وحلفائها.
