يمر العالم باضطراب مناخي قلب المعايير الجوية التقليدية رغم ثبات تعاقب الفصول، فأنتج ظواهر غريبة كتساقط الجليد في مناطق غير قطبية بفعل ازدياد البرودة وذوبان الجليد في المناطق القطبية بفعل ازدياد الحرارة، مما أشاع حالة من اللخبطة المناخية التي طرحت الأسئلة عما إذا كنا مقبلين على عصر جليدي أم على عصر حراري؟

العالم الآن يمر أيضا باضطراب سياسي انعكس سلبا على العلاقات الدولية، مما أدى إلى ازدواج المعايير بل وانقلاب المعايير، وهيمنة قطب واحد بما جعل العالم يميل جانحا في دورانه، أو يسير على ساق واحدة، مما أنتج ظواهر غريبة قلبت العديد من المفاهيم السياسية والقانونية والأخلاقية العالمية رغم ثبات قواعد القانون الدولي ومبادئ الحقوق الإنسانية.

وقد تساءلت عما إذا كان هناك علاقة بين الاضطراب المناخي والاضطراب السياسي، وخصوصا بين مشكلة الاحتباس الحراري العالمية التي ترفع حرارة الكرة الأرضية والناتجة في معظمها من عوادم الدول الصناعية الغربية الأوروبية والأميركية التي تفسد البيئة، ومشكلة الاحتباس الفكري التي تخفض درجة الخيال السياسي الدولي والإقليمي سواء الأميركية والأوروبية في التعامل مع قضايا المنطقة العربية والإسلامية؟

وأجبت بأنه ربما هناك علاقة ما ولكنها ليست بالقطع هي السبب الوحيد أو الحاسم للحالة الدولية الراهنة أو للحالة العربية الواهنة .. إذ لو كان لدى العالم وخاصة لدى قواه الكبرى الرئيسية الإرادة الحقيقية لإصلاح حالة الاضطراب المناخي لاتحد العالم في مواجهتها، ولو كان لدى العالم العربي والإسلامي الإرادة الجادة لمواجهة آثار الانعكاس السلبي لاختلال الموازين الدولية، واضطراب المعايير السياسية لدى القطب الواحد على قضاياه الأساسية لاتحد في مواجهتها واستطاع صنع قوته وفرض إرادته.

وبينما تفرض الحالة الدولية المضطربة، خصوصا الحالة الصهيو أميركية الراهنة لمحاولات الفتنة للسيطرة الكاملة على العرب والمسلمين أقصى درجات اليقظة وتستوجب أعلى مستويات الحذر، وبينما يبدو في الحالة العربية والإسلامية الواهنة ما يغريها على الهجوم لمحاولة إخضاعها وتدويلها ضمن مناطق نفوذ القرن الصهيو أميركي الجديد، فإن حال بعض العرب يستدعى التساؤل وحال بعض المسلمين يثير التعجب حينما يصادقون أعداءهم ويخاصمون أشقاءهم ويعادون أصدقاءهم، ويستعينون بأميركا على أميركا، وبإسرائيل على إسرائيل، وببريطانيا على بريطانيا، وبفرنسا على فرنسا، وبحلف الناتو على حلف الناتو، بينما الشيء الوحيد الذي لا يفعلونه هو أنهم لا يستعينون بأنفسهم على أنفسهم، ولا بأشقائهم وبجيرانهم الأشقاء على أعدائهم الغرباء!

فهل يمكن مثلا أن نستعين بأميركا على أميركا لتحرير العراق من الاحتلال الأميركي ؟! .. أو هل يمكن لبعض العرب والمسلمين الاستجابة لجنون القوة الأميركية مرة أخرى بالسماح لها بإشعال حرب كارثية في الخليج، أو القبول بالتحالف معها ضد إيران أو أي دولة عربية أو مسلمة مثلما سبق أن سقط البعض في خطيئة التحالف معها في الجريمة الكبرى لاحتلال العراق؟.

وعندما نعلم أن بريطانيا بوعد بلفور المشؤم، وبمساعدة جيش الاحتلال البريطاني لإقامة دولة «إسرائيل اليهودية» فهل يمكن أن نستعين ببريطانيا على بريطانيا في حل مشكلة فلسطين التي صنعتها بريطانيا بدعم أميركي؟!

.. وهل يمكن أن يكون «طوني بلير» التابع التقليدي للرئيس الأميركي في مخالفة الشرعية الدولية هو ممثل تلك الشرعية في المسألة الفلسطينية ؟!!

وكيف تكون فرنسا هي الحل بينما هي التي صنعت المشكلة اللبنانية، خصوصا «فرنسا ساركوزي» الأكثر تبعية لأميركا وصداقة لإسرائيل سواء في الأزمة الناتجة عن الطائفية السياسية التي صنعها ميثاق 1943، أو الأزمة اللبنانية السورية بفصل لبنان عن سوريا لمحاولة وضع لبنان في مواجهة سوريا بدعم أميركي لصالح الدولة اليهودية ؟! وفي فلسطين حيث إسرائيل هي العدو الطبيعي التي تحتل وطن الطرفين وتعتدي على شعب الجزأين في الضفة والقطاع وتقتل المناضلين والمدنيين في الفصليين الوطنيين فتح وحماس!!

.. فكيف يمكن حينئذٍ لطرف فلسطيني رفض الحوار والقطيعة والحصار لشقيقه الفلسطيني بينما يستعين بإسرائيل وأميركا على إسرائيل وأميركا في تحرير أرضه وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ؟!!

.. مجرد أمثلة لحالة اللخبطة السياسية !!

mamdoh77t@hotmail.com