في زمن الحرب الباردة بين القطبين المقررين على الساحة الدولية آنذاك، وتحديداً في العام 1962 وصلت المجابهة المباشرة السوفييتية الأميركية حدوداً قريبة من النار، ومن الإطلاق المتبادل للصواريخ البالستية الإستراتيجية من نوع (اس اس 20) الفتاكة من الجانب السوفييتي، واستخدام أسلحة الدمار الشامل.
فقد نشأت ما عرف بأزمة خليج الخنازير والصواريخ السوفييتية التي تم زرعها فوق الأرض الكوبية مقابل شواطئ ميامي والسواحل الجنوبية الشرقية للولايات المتحدة الأميركية.
وفي حينها أيضاً كان الرئيس السوفييتي والأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي في عموم الاتحاد السوفييتي آنذاك نيكيتا خورتشوف قد أطلق سلسلة من تصريحات التحدي للولايات المتحدة من على منبر الأمم المتحدة أولاً، ومن مواقع مختلفة من أرض المعمورة ثانياً.
وباتت حينها المواجهة العسكرية المباشرة بين القطبين الأكبر، قاب قوسين من الاندلاع، لكن الجهود الدولية وحسابات الربح والخسارة لدى الطرفين المعنيين، استطاعت في لحظات كانت قريبة من حافة الخطر أن تفرمل عجلات الاندفاع نحو المواجهة العسكرية الواسعة، ليعود الطرفين إلى طاولة المفاوضات التي استمرت بدورها ردحاً طويلاً من الزمن، مبتدئة بابتعاد القوات الأميركية عن شواطئ كوبا وتفكيك الصواريخ السوفييتية من أرض الجزيرة، وصولاً إلى اتفاقيات سالت الأولى وسالت الثانية اللتين تمتا بعد عقد ونيف من زمن أزمة خليج الخنازير، وذلك في عهد خليفة الرئيس خورتشوف، الرئيس السوفييتي ليونيد بريجينيف.
ما أوردناه أعلاه، يكرر نفسه الآن بصورة تراجيدية، ولو على وتيرة أخفض وأقل تسارعاً، وبفوارق موازين المواجهة وخصائص المرحلة، مع تفاعلات الموضوع المتعلق بنشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية فوق الأراضي الأوربية، وعلى وجه الخصوص فوق أراضي بعض دول أوروبا الشرقية التي كانت قبل عقدين من الزمن في دائرة حلف فرصوفيا تحت قيادة موسكو وما عرف في حينه بمصطلح الكتلة الشرقية أو الشيوعية.
فقد بدت الاحتكاكات الروسية الأميركية الراهنة بشأن نشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية في القارة الأوروبية معقدة ومستعصية على الحلول في ظل إصرار الإدارة الأميركية الاستمرار في مشروعها العسكري المعلن فوق الأراضي الأوروبية، وهو المشروع المقدر له استنزاف الخزينة الأميركية لصالح مؤسسات التصنيع الحربي الخاصة.
وأيضاً استنزاف أموال الدول التي تنوي الإدارة الأميركية نشر هذه المنظومة فوق أراضيها، بغرض إحداث تأثير نوعي في توازن القوى الإستراتيجي في العالم. فواشنطن مازالت تتمسك بخطة نشر صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية ورادار في الأراضي التشيكية باعتبار أنها ستشكل مظلة لحماية الولايات المتحدة وأوروبا من مخاطر هجوم إيراني محتمل بالصواريخ، وهي بكل الحالات حجة واهية، سقطت مصداقيتها بعد تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير الذي برأ إيران وبرنامجها النووي والصاروخي من النوايا الحربية.
وقبل فترة قصيرة، وقبل أن نودع الأيام الأخيرة من العام المنصرم 2007 فشلت المفاوضات الروسية / الأميركية حول ملف الدرع الصاروخية الأميركية في التوصل إلى أي نتائج ترضي موسكو، فبدت موسكو غير راضية عن نتائج اللقاء مع مسؤولين دبلوماسيين أميركيين عقد قبل فترة قصيرة في بودابست عاصمة هنغاريا، بعد أن أبلغت واشنطن الوفد الروسي عن نيتها الاستمرار في العمل لإنجاز برنامجها المعلن لنشر منظومة الدرع الصاروخية.
وتبع هذا الإحباط والمراوحة في اجتماعات بودابست الأميركية الروسية تواتر جملة من المعلومات التي تحدثت عن وجود مؤشرات لتحرك عناصر من القوات الإستراتيجية النووية الأميركية في أوروبا، الأمر الذي أثار ويثير القلق والهلع عند المعسكر الروسي.
خصوصاً وأن التحرك إذا ما صح في حقيقته فإنه يدلل بصورة قطعية على نوايا الإدارة الأميركية في سعيها للإخلال بتوازن القوى الإستراتيجي بين القوتين الأكبر من حيث القدرات النووية التسليحية.
فضلا عن أن عواقب تفاقم الخلافات والتباينات بشأن نشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية فوق بعض بلدان أوربا الشرقية تتعدى الدول المعنية لتنعكس مباشرة على احتمالات تجميد مشاركة روسيا في معاهدة تقليص الأسلحة التقليدية في أوروبا.
كاتب فلسطيني